فى مدينة العـقاد ـــ الصديقة بنت الصديق (7)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

زوج النبى

 

     كانت السيدة خديجة رضى الله عنها ـ فيما يفتتح به الأستاذ العقاد هذا الفصل ـ أول زوجات النبى عليه الصلاة والسلام وأحبهن إليه ، عاش معها زهاء خمس وعشرين سنة ولم يتزوج عليها ولا فكر فى الزواج بغيرها فى حياتها . مع أنه بنى بها وهو فى نحو الخامسة والعشرين وهى فى نحو الثلاثين أو الأربعين ، وبقيت معه إلى أن أوفت على الخامسة والستين .

     ثم توفيت حوالى السنة العاشرة بعد الدعوة ، فلم يُعرف عنه أنه حزن على أحد قط أشد من حزنه عليها ، ولا أطال الذكرى لأحد قط بعد وفاته كما أطال ذكراها ، وسمى عام وفاتها « عام الحزن » لأن الحزن لم يفارقه طوال أيامه ، ولم يفارقه ـ فى الواقع ـ بقية حياته كلها ، وإن سكنت سورته مع الأيام كما تسكن كل سورة لاعجة مع ذلك العزم الصادق والقلب الصبور .

     ولم تكن السيدة عائشة أول من تزوج بها بعد وفاة السيدة خديجة ، وإنما تزوج بالسيدة سودة بنت زمعة ، وهو ينشد فى سنها ووقارها أن تقوم بشئون البيت وأن ترعى بناته بعد وفاة أمهم ، وكانت بدورها أسنّ منه عليه الصلاة والسلام .

     وكان زواجه بالسيدة عائشة بعد سنوات ، وكان هذا التقابل بفعل المصادقة حين تكون أحكم من التدبير والتقدير .

     ويبدو للأستاذ العقاد أن النبى عليه السلام كان أحوج ما يكون إلى هذا التقابل فى حياته الزوجية ، فالفتى اليتيم الذى فقد حنان الأمومة منذ طفولته الباكرة ـ كان أنفع له زوجة كريمة رشيدة كالسيدة خديجة التى أغدقت من حنان الأمومة ما فاته فى بواكير الطفولة ، وأدركه عطفها ومساندتها ودعمها وهو يواجه المصاعب الشديدة التى لاقته فى سنوات الدعوة الأولى .

     أما وهو فى الخمسين من عمره ، فقد كان أنفع له وأبهج لفؤاده أن يغدق هو حنان الأبوة على زوجته التى تظفر منه بالحظوة والمودة ، ولم تكن السيدة سودة بنت زمعة
كذلك .

     كانت خديجة بمثابة أم ترعاه .

     ثم كانت عائشة بمثابة شابة تنعم بحنوّه وتدليله .

     وكانت خديجة ترضيه وتسعده بالعقل والنضج والحكمة .

      ثم كانت عائشة تسعده بالطرافة والجمال .

      وكانت خديجة تصاحبه قبل الدعوة وهو ينشد الأنصار فى طوية نفسه قبل أن يطلبهم فى مجال صد البلاء ونضال من بادءوه بالنكر والعدوان !

     ثم صاحبته عائشة وقد اشتد عود الدعوة بالمدينة بعد الهجرة ، وصار الدين ملء السمع والبصر .

     والمعلوم عن الخطبة من الروايات المتواترة أنها جاءت بعد اقتراح من سيدة بارة هى خولة بنت حكيم أهمها ما لحظته من حزن النبى على زوجه العزيزة عليه فذكرت الثيب سودة بنت زمعة ، ثم ذكرت عائشة بنت صديقه أبى بكر ، فاختار الزواج بسودة بنت زمعة لسنها وتجربتها وحاجة البيت والبنات إليها ، ثم بعد ذلك أوفدها إلى صديقه أبى بكر وجرت الخطبة فى مجراها الذى انتهى بالزواج بعد سنوات فى السنة الثانية للهجرة بالمدينة المنورة .

     وإلى حين هذه الخطبة ، لم يكن تقدير أحد أن صلةً من أوثق الصلات ستنعقد بين النبى وصفيه الحميم . لأن عائشة كانت مخطوبة قبل ذلك لجبير بن مطعم بن عدى من أصحاب أبيها فى الجاهلية . فتحرج أبو بكر من نقض خطبته قبل مراجعته فيما ينويه ، وقال لأم رومان زوجته : والله ما أخلف أبو بكر وعدًا قط . ثم لقى أبا الفتى وأمه يسألهما فيما ينتويانه . فأقبل الأب على امرأته يسألها : ما تقولين ! فالتفتت الأم إلى أبى بكر وهى تقول متعللة : لعلنا إن أنكحنا هذا الصبى إليك تصبئه وتدخله فى دينك الذى أنت عليه ؟ فلم يجبها وسأل زوجها : ما تقول أنت ؟ فلم يزده على أن أجاب : إنها تقول ما تسمع .

     فعلم أبو بكر يومئذ أنه فى حِلٍّ من نقض وعده لمطعم بن عدى ، واستقبل النبى خاطبًا فتمت الخطبة فى شوال سنة عشر من الدعوة قبل الهجرة بثلاثة سنوات ، وأصدقها النبى عليه السلام أربعمائة درهم على أشهر الروايات .

     ويشير الأستاذ العقاد إلى اختلاف الروايات فى سن السيدة عائشة يوم زفت إلى النبى عليه السلام فى السنة الثانية للهجرة ، وهو اختلاف لا غرابة فيه بين قوم لم يتعودوا تسجيل المواليد ، حتى ندر بين الناس ألاَّ تختلف الروايات فى سن أحد ووقائع ميلاده وزواجه ووفاته ، بل وبلغت فروق السن بين تاريخ وتاريخ ما وصل أحيانًا إلى عشر سنين .

     والأرجح فيما يرى الأستاذ العقاد ، وهو مصيب ، أن سن السيدة عائشة كانت يوم زفافها إلى النبى عليه السلام ـ لا يقل عن الثانية عشرة ولا يتجاوز الخامسة عشرة بكثير .

     فقد سبق أن ميلادها كان قبل الهجرة بإحدى عشرة سنة أو اثنتى عشرة سنة ، فإذا أضيف إلى ذلك أن الزفاف كان وهى فى نحو الرابعة عشرة من عمرها . ويؤيد هذه الترجيح أن خولة بنت حكيم ما كانت لتعرضها عليه لو كانت طفلة فى التاسعة أو دونها ، ويرجح ذلك أيضًا أنها كانت مخطوبة لجبير بن مطعم بن عدى قبل خطبتها إلى النبى ، وبعيدٌ جدًا أن تكون قد خطبت لجبير قبل أن تبلغ التاسعة .

     ولذلك رجح الأستاذ العقاد أنها كانت بين الثانية عشرة والخامسة عشرة يوم زفت إليه ، وأنها هى رضى الله عنها كانت تسمع تقديرات سنها ممن كان حولها لأنها لم تقرأها بداهة فى وثيقة مكتوبة ، فكان يعجبها على سنة الأنوثة الخالدة أن تأخذ بأصغرها ، وكانت هى كثيرًا ما تدل بالصغر بين أترابها فلا تنسى إذا اقتضى الحديث ذلك أن تقول : وكنت يومئذ جارية حديثة السن ، أو كنت يومئذ صغيرة لا أحفظ شيئًا من القرآن ، إلى أشباه ذلك من أحاديثها فى هذا المعنى .

     وذلك التقدير الراجح ينفى ما تقوّله بعض المستشرقين وغيرهم من أن النبى عليه السلام بنى بعائشة وهى فى سن الطفولة الباكرة ، وهى قالة ثابت بما تقدم أنها أبعد ما تكون عن التصديق والقبول .

     ومن اللحظة الأولى ملكت ربة البيت الصغيرة بيتها الجديد ، فقد كانت تدل بمكانة الزوجة المحبوبة عند زوجها العطوف ، وبمكانة البنوة عند الأبوّة النبوية الرحيمة ، ومكانة ابنة الصديق على مكانته وصدق وفائه وصداقته بالنبى .

     ومع أن السيدة عائشة سجلت خطرات نفسها خطرة خطرة ، ووصفت كل صغيرة وكبيرة فى بيتها الجديد ، إلاَّ أنه لم تذكر كلمة واحدة تورى بوحشة الانتقال من بيت أبيها إلى بيت آخر ، ومن معيشة إلى معيشة .

     هذه الملاحظة آية على فيوض العطف المحمدى الغامر الذى أغناها كل الغنى عما كان فى حياتها الماضية .

     يروى الأستاذ العقاد أن النبى عليه السلام كان يتعهدها بما يسرها . ودخل عليها أبوها وعندها قينتان تغنيان فى يوم منى والنبى عليه السلام مضجع مُسجى فى ثوبه ، فصـاح بها : أعند رسول الله يصنع هذا ؟ … فكشف النبى عن وجهه وقال : دعهن فإنها أيام عيد .

     وكان الأحباش يلعبون فى يوم من أيام العيد بالدرق والحراب فسألها عليه السلام ، تشّتهين أن تنظرى ! قالت نعم . قالت « فأقامنى وراءه وهو يقول : دونكم يا بنى أرفدة ـ كنية الحبشة ـ حتى إذا مللت قال : حسبك ؟ قالت نعم ! قال فاذهبى » .

     ولم يخف هذا العطف الذى لا نظير له بين الأزواج على السيدة عائشة وهى من هى فى ذكائها وعلمها ببيوت الصحابة وغيرها . وازدادت به علمًا من يوم الزواج بالنبى ، فقد عرفت مكانتها فى بيته كما عرفت مكانته وهى موشكة أن تنفرد فى بيت النبوة ، وكان عليه السلام يعدل بينها وبين زميلاتها فيما يملك العدل فيه . أما ميل قلبه فكان يستغفر الله فيه قائلاً : « اللهم هذا قسمى فيما أملك فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك » .

 وشكرت له السيدة عائشة هذه الإيثار وافتخرت به فى معرض الشكر والتحدث بنعمة الله عليها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *