فى مدينة العـقاد ـــ الصديقة بنت الصديق (6)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

عائشــة

 

ولدت عائشة لأبى بكر الصديق من زوجته « أم رومان » واسمها زينب أو دعد مختلف فيه .

وليست بنا حاجه للتعريف بأبى بكر ، أما « أم رومان »  ـ فقد اختلفوا أيضًا فى نسبها واتفقوا على أنها من كنانة .

وكانت زوجة فى الجاهلية لعبد الله بن الحارث ، صاحب الصديق ، وولدت له ابنه طفيل ، فلما مات خلفه أبو بكر فتزوجها ليحفظ بيت صاحبه وحليفه .

ومن المتفق عليه أنها كانت ذكية ، أسلمت وهاجرت ولقيت عنتًا شديدًا فى سبيل دينها وزوجها .

وتوفيت فى أرجح الراويات فى خلافة عثمان بن عفان .

أما ميلاد عائشة ، فلا يُعْرف على التحقيق ، وأقرب الأقوال إلى الصدق أنها ولدت فى السنة الحادية عشرة من أو الثانية عشرة قبل الهجرة ، فتكون قد بلغت الرابعة عشر من عمرها أو قاربتها يوم بنى بها الرسول عليه السلام .

وكانت بيضاء ، فكان عليه السلام يلقبها بالحميراء لبياضها ، وكانت أقرب إلى الطول ، وفى صباها نحيلة أو أقرب إلى النحول ، حتى كانوا يحملون الهودج وهم يحسبونها أنها فيه كما جاء بروايتها ، ثم مالت إلى شىء من السمنة بعد سنوات .

والمستفاد مما كانت تلقية من خطب فى موقعة الجمل ـ وتصل إلى السامعين ـ أنها كانت جهورية الصوت ، ومن جملة أوصافها أنها كانت حية الطبع موفورة النشاط كدأب المزاج العصبى الذى ورثته عن أبيها رضى الله عنه .

والظاهر فيما يقول الأستاذ العقاد ـ أنها ورثت كثيرًا عن أبيها ، وقد كان الصدّيق جميلاً ، نحيلاً دقيق التكوين ، فى طبعة حدة مع حدة فى الذكاء .

ومن شبهها بأبيها كان النبى عليه السلام ، يقول حينما يسمعها تجيب من يساجلها :« إنها ابنة أبى بكر ! »

وقد راضت حدة الطبع الموروثة زمنًا كما كان يفعل الصدّيق طوال حياته ، ولكنها لم تبلغ من ذلك ما بلغه أبوها لقدرته وحاجته إلى سياسة الدنيا .

ومن المعهود أن الحدة تلازمها سرعة الغضب ، وتلازمها أيضًا سرعة الصفح فى معظم الأحيان .

ويرى الأستاذ العقاد أنها باستثناء موجدتها إزاء من خاضوا فى عرضها بغير حق فى حديث الإفك ، وليس أهول من ذلك على البريئة ـ فإنه ليس فى أخبارها ما يناقض المشاهدة التى تلازم حدة الطبع من سرعة الغضب وسرعة الصفح والنسيان .

ومن هنا لا يجوز أن يقاس على موجدة السيدة عائشة فى مسألة الإفك ـ سائر خلائقها ودوافع ضميرها .

وتواترت الروايات على أنها صفحت عن حسان بن ثابت وقبلت عذره فيما نُسب إليه من شعر فى مسألة الإفك لا يرضيها ، بل ونهت عن سبابه وشتمه ، واستشهدت غير مرة بشعرٍ له فحواه أن عرضه وقاء لعرض محمد عليه الصلاة والسلام .

*         *         *

ومن سجاياها الكرم ، وكانت فيه إلى النجدة أقرب منها إلى السخاء ، وهى فى ذلك على موروث من أبيها العظيم رضى الله عنه .

ومن روايات كرمها ونجدتها ـ أن عتبة بن أبى لهب زَوَّجَ جاريةً حبشيةً عنده وعلى غير رضاها عبدًا من عبيد المغيرة ، فكرهته وأعرضت عنه ، فرحمتها السيدة عائشة واشترتها وأعتقتها .

وروى ابن سعد عن عروة بن الزبير بن العوام قوله : « رأيت عائشة تتصدق بسبعين ألفًا ( بعث بها إليها عبد الله بن الزبير ) ، وأنها لترقع جانب درعها » .

وحدثت مولاتها « أم ذرة » ـ وهى من الثقات ـ أنها جعلت وهى صائمة تتصدق وتوزع ما أرسله إليها ابن أختها : ابن الزبير ، حتى وزعت كافة ما أتاها ، فلما أمست وجاء موعد إفطارها طلبت ما تفطر عليه ، فلم تجد فى الدار ما يغنى ، وقالت لها أم ذرة معاتبة : أما استطعت فيما أنفقت أن تشترى بدرهم لحمًا تفطرين عليه ؟! فقالت لها عائشة : « لا تعنفينى ! لو كنت أذكرتنى لفعلت » .

وقد كانت بنت أبيها ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ فى أكثر من خصلة من هذه الخصال النادرة بين الرجال والنساء ، ولكنها كانت أشبه ما تكون به فى خصلة الصدق التى اشتهر بها ومن أجلها نعت بالصديق . وقد امتحن صدقها فى مآزق عسيرة فتمحصت جميعها عن معدن كريم ودلت على أصالة ميراثها النفيس من خصال أبيها العظيم .

لقد جر الخلاف على الخلافة ، وما شجر بين الفرق ، إلى ظاهرة وَضْع الحديث ، ومع أن السيدة عائشة كانت تشترك فى خصومات المتخاصمين على الخلافة ، باختيارها أو تساق للمشاركة على كره منها ، وكانت أول من يُسمع إذا روت حديثًا يدفع خصومها ويعزز أنصارها ، إلاَّ أنها فى كل ما روته لم تدل بحديث واحد تمسه الشبهات ، ولم تحرف كلمةً واحدة إلى غير موقعها طواعية لإغراء النوازع النفسية ، ولذلك كان الرواة يقولون : حدثتنا الصدّيقة بنت الصديق ـ وهو العنوان الذى اختاره الأستاذ العقاد لهذا الكتاب .

ومن الصفات التى شابهت فيها أباها ـ الذكاء المتوقد والبديهة الحاضرة الواعية ، وسرعة الفهم وقدرة التحصيل والإحاطة بكل ما يقع فى متناولها .

وتعددت الروايات عن ارتجالها الاستشهاد بالشعر فى مناسبات مختلفات ، وقد قال
أبو زناد : ما رأيت أحدًا أروى للشعر من عروة بن الزبير ، فقيل له : ما أرواك ! قال : وما روايتى فى رواية عائشة ! ما كان ينزل بها شىء إلاَّ أنشدت فيه شعرًا .

وكان عروة بن الزبير أشد الناس حبًّا لخالته عائشة وإعظامًا لها وتوقيرًا لسيرتها ، ولكن الشواهد الشعرية فى أخبارها يدل على صدق ما وصفها به من غزارة الحفظ وحسن الاستشهاد .

ويؤخذ من بعض ما نقل عنها أنها كانت تسمع شعر زهير وتعجب به .

على أن الفهم والحفظ ملكتان معروفتان للسيدة عائشة ، فهى فضلاً عن كثرة الشواهد الشعرية ، روت عن الرسول عليه السلام أكثر من ألفى حديث ، وحسبها أن يثبت لها عشر هذا العدد ليثبت لها أنها كانت تفهم وتعى وتحسن الحفظ .

ويروى الثقات أنها كانت تحفظ وتفقه وتفسر ولا يقتصر علمها على وعى الكلمات والعبارات ، وقال أبو موسى الأشعرى : ما أشكل علينا أمرٌ فسألنا عنه السيدة عائشة إلاَّ وجدنا عندها علمًا فيه .

ولا ريب فيما يرى الأستاذ العقاد أنها كانت تقتدى بأبيها فى حفظ الأخبار والأنساب ، كما كانت تقتبس من ميراث أخلاقة وطباعة وملكاته .

*         *         *

وغزارة الإطلاع واضحة من لغة السيدة عائشة التى امتزجت بأسلوبها فى كل ما نقل عنها وفى الخطب والوصف بخاصة .

ويجتزئ الأستاذ العقاد من خطبة لها بعد وقعة الجمل تذكر فيها أباها ووصفها له فى خطبة أخرى ، وما ألقته مرة على قبره . ليستخلص أنه كان لها أسلوب فيما يُرْتجل يناسب موضوعه ، كما كان له أسلوب آخر فيما يجرى تحضيره .

ومع إلمامها باللغة العربية ، تواترت الروايات عن علمها بطب زمانها وما يسمى فى زمانها بعلم الفلك والظواهر الجوية .

وهكذا تنظر إلى عائشة فترى فيما يختم به الأستاذ العقاد هذا الفصل ـ ترى المكان الذى خصتها به الآداب العربية ، ورفعتها إليه الآداب الإسلامية والحظوة النبوية ، وما استحقته بين أترابها من جمال وفهم ومعرفة وبيان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *