فى مدينة العـقاد ـــ الصديقة بنت الصديق (5)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

          وقد غضب النبى عليه السلام من غيرتها ، ولكنه كان غضب تأديب وتهذيب ، لا غضب سخط وتأنيب .

     فقلّما لامها فى شىء يمسه من غيرتها ..

     ولكنه كان لا يسكت على فلتات هذه الغيرة إذا مست أناسًا آخرين ، فيؤاخذها مؤاخذة المؤدب الرفيق ، ولا يدع لها أن تعيد ما آخذها عليه .

*          *           *

     من « الأنثويات » الخالدة فى طبيعة المرأة وفطرتها ـ دلالها ومغاضبتها ، بينما هى أشوق ما تكون إلى المصالحة وتقصير أمد المغاضبة .

     وحين هبت زوبعة فى البيت النبوى ، وأقسم الرسول عليه السلام أن يهجر زوجاته شهرًا ، ولما انقضت الأيام التى أوعد بها ـ بدأ بالسيدة عائشة ، فدخل عليها وهى أشوق ما تكون إلى لقائه .

     ولكنها غالبت شوقها وقالت معرضة تعريضًا لا يخلو من الدلال الأنثوى ، قالت :
يا رسول الله أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا ، وقد دخلت وقد مضى تسعة وعشرون يومًا !

     فقال عليه السلام : إن الشهر تسعة وعشرون .

     لا شك أنها كانت تعد الأيام يومًا يومًا فى انتظار مقدم النبى عليه السلام ، ولكنها الأنثى الخالدة فيما يقول الأستاذ العقاد ، ولا بد للأنثى الخالدة فى هذا الموقف من مكاتمة ودلال .

*          *           *

    وقد لفظ المشركون بقصة الإفك ، فلم تعلم بها السيدة عائشة إلاَّ بعد شهر من شيوعها .

     فلما سمعت بها ذهبت إلى بيت أبويها تسألهما عن هذه القصة التى لم يخبرها أحد بشىء عنها وهى فى بيت زوجها الكريم .

     قالت السيدة عائشة بعد تفصيل ما سمعت : « فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله فسلم ثم جلس وتشهد ثم قال : أما بعد يا عائشة فقد بلغنى عنك كذا وكذا . فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله وتوبى إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه .

     « فلما قضى رسول الله مقالته قلص دمعى حتى ما أحس منه قطرة . فقلت لأبى : أجب عنى رسول الله ! فقال : والله ما أدرى ماذا أقول لرسول الله .

     « فقلت لأمى : أجيبى عنى ، فقالت كذلك . والله ما أدرى ماذا أقول لرسول الله .

     « قلت ـ وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن ـ إنى والله لقد عرفت أنكم سمعتم بهذا حتى استقر فى نفوسكم وصدقتم به ، فإن قلت لكم إنى بريئة ، والله يعلم أنى بريئة ، لا تصدقونى . ولئن اعترفت لكم بأمر ، والله يعلم أنى بريئة ، لتصدقوننى … وإنى والله ما أجد لى ولكم إلاَّ كما قال أبو يوسف : فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون .

     « ثم تحولت فاضطجعت على فراشى » .

     ولما نزل الوحى مبرئًا ساحتها من هذه المظنة ، سُرى عن الرسول عليه السلام ، وأقبل على عائشة ـ فيما تروى ـ وهو يضحك ، وكانت أول كلمة تكلمه بها أن قال : أبشرى يا عائشة ، أما الله فقد برأك .

     فقالت أمها : قومى إليه .

    ولكن عائشة أجابت بفطرة الأنثى : « والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلاَّ الله ، هو الذى أنزل براءتى » .

     يرى الأستاذ العقاد أنه تجمعت فى عائشة فى هذا الموقف ـ معالم الأنوثة الخالدة ، فقد ضنوا عليها بكلمة التبرئة التى تلهفت إليها ، فكتمت حزنها وانطوت على نفسها ، فلما جاءت البراءة التى تلهفت إليها ، جاء معها الغضب والإدلال بالعزة المجروحة .

     « قومى إليه .. لا والله لا أقوم إليه ! » .

     إنها غضبى ، ولا بد للغضبى الجريحة من إرضاء أو استرضاء ، فمن أولى باسترضائها من الزوج الكريم !

     هذا هو أسلوب الأنثى الخالدة فى مغاضبتها وهى تحب من تغاضبه ، تريه الملام بعينها ، وقلبها على الرضى ناوٍ ، وتعرّض له بالغضب وتعنى أن يفهمه كأنه التصريح الذى لا مواربة فيه .

*          *           *

     يرى الأستاذ العقاد أنه ما من سمة فى الأنوثة الخالدة ، إلاَّ وجدت فى السيدة عائشة وصدقت نظرتها فيه ، وإن كانت قد روضت نفسها الرياضة العالية التى تجمل بزوجة النبى المرسل ، وبنت الصديق ، وأم المؤمنين .

     فإذا عرضت مناسبة للسن ، فليس أحب إليها من أن تقول إنها كانت حديثة السن ، أو أن ما تعاتب عليه كان لجهلها وصغر سنها ، وربما راقها فى مناسبات أخرى أن تختار الروايات الأقرب إلى تصغير سنها .

     وقد تكون وحدها فى بيتها فتعجبها ثيابها وتحب أن تنظر إليها . قالت : « ولبست ثيابى فطففت أنظر إلى ذيلى وأنا أمشى فى البيت ألتفت إلى ثيابى وذيلى . فدخل علىّ أبو بكر فقال : يا عائشة ! أما تعلمين أن الله لا ينظر إليك الآن ؟ قلت : ولم ذاك ؟ قال : أما علمت أن العبد إذا دخله العجب بزينة الدنيا مقته ربه عز وجل حتى يفارق الزينة ؟ فنزعته فتصدقت به . قال أبو بكر : عسى ذلك أن يكفر عنك » .

     وهى عائشة كاملة فى هذه القصة الصغيرة : هى حواء التى تحب أن تنظر إلى زينتها ، وهى أم المؤمنين التى تحب أن ينظر الله إليها ، وهى هنا أيضًا حواء تطمح إلى زينة أعلى وأغلى .

*          *           *

     يخلص الأستاذ العقاد إلى أنه والأمر كذلك وكما عرضه ، فلن تعوزه أسباب اهتمامه بهذه الحياة ، والكتابة عنها ، لأن صاحبتها هى المرأة العربية ، والمرأة المسلمة ، والمرأة الخالدة فى كل زمان .

     وهنا يبدو لنا لماذا آثر الأستاذ العقاد أن يكتب عن السيدة عائشة ، وربما أضفنا إلى ذلك أمرين لم يفصح عنهما ، أولهما حديث الإفك الذى سوف نرى أنه سيعود إليه ببعض التفصيل لبيان ما فيه من إفك ، وثانيهما الخروج إلى العراق صحبة زوج أختها الزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وما جَرّ إليه ذلك من أحداث موقعة الجمل إزاء الإمام علىّ بن أبى طالب ، رضى الله عنه وأرضاه ، بما رأى معه الأستاذ العقاد أنه يحتاج إلى بيان وإيضاح .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *