رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

 

الباطنية الفاطمية

 

     نفهم من العنوان أن الباطنية الفاطمية غير الباطنية الواقعية التى سلف عنها حديث ، ونفهم منه أنه كانت للفاطميين باطنية فاطمية أو إسماعيلية ، إلى جانب هذه الباطنية الواقعية .

     على أنه لم يقم ـ فى رأى الأستاذ العقاد ـ أى دليل على انتماء الباطنية الفاطمية أو الإسماعيلية ـ إلى داعية من المجوس أو اليهود دبر لهدم الإسلام خاصة وهدم الديانات عامة ، أو تلقين دروس الكفر والتعطيل وإنكار البعث والحساب واستباحة المحرمات والمنكرات .

     فقد جاءت هذه التهمة الضعيفة المتهافتة ، من مغرضين غرضهم معروف ، وآية ضعفها تناقضاتها وعدم ثباتها على زعمٍ واحد أو جهةٍ واحدة .

    فهم يرجعون أصل الدعوة إلى المجوس تارة ، وإلى اليهود تارة .

     ومرة يرجع أصلها إلى « ديصان » الذى ثبت أنه ظهر قبل الإسلام .

     ومرة أخرى يرجع أصلها إلى « ميمون القداح » الذى يتبين من شعره أنه مسلم وأنه شك فى الإمام جعفر الصادق بعد أن لاذ به وتتلمذ عليه .

    وفى التهمة من الضعف فوق هذا وذاك أنها لا تجرى مجرى المألوف من طبائع النفوس ، فإن الرجل الذى يكفر بالدين عامة لا تملكه الحماسة لهدم دين ولا تبلغ منه هذه الحماسة أن يصبر للجهاد الطويل ويستهين بالخطر على الروح والراحة وهو يحارب السلطان ويحارب إجماع الناس من حوله على اختلاف النحَل والأديان .

     على أنه رغم هذا جميعه ، فإنه من المشكوك فيه أن ينهدم الدين إذا كفر به معدودون من طائفة « الواصلين » فى كل عصر ، ولم يخل أى عصر من أمثال هؤلاء ، ولكنهم يذهبون والدين باقٍ .

     وربما تشيع للفاطميين أناس خبطوا فى العقائد خبط عشواء كما يقول الأستاذ العقاد ، وجهروا بمذاهبهم التى ينكرها الإسلام الصحيح ، ولكن التشيع من هذا القبيل قديم ولم ينقطع من عهد الإمام علىّ إلى عهدنا ، ولم يكن هذا التشيع المقيت حجة على الإمام علىّ ولا على أحد من بنيه الأبرار .

     ففى حياة الإمام علىّ كان عبد الله بن سبأ وأصحابه يؤلهون عليًّا ويؤمنون بحياته بعد مقتله ، ويقولون يرجعه النبى ، وينشرون مذهب الحلول وتناسخ الأرواح ، وقد نشطوا بعد مقتل الإمام ، ونشط من يسموا بالكيسانية ، وأعادوا مثل هذا القول فى حياة « محمد بن الحنفية » وهو محمد بن على بن أبى طالب ، ولقب بالحنفية نسبة لأمه لتمييزه عن أولاد الإمام من الزهراء . وقد قيل عن المختار الثقفى إنه ادعى النبوة ، وقيل إنه نظم ما يعارض به القرآن الكريم وفرضه على أصحابه فى الصلوات ، على أنه أيًّا كان أمر هذه المقولات ـ وهى ضعيفة ـ من الصحة ، فإن مكان الإمام علىّ وابنه محمد فى الإسلام أرفع من أن يتطاول إليه أمثال هؤلاء ، وقد تمادى المرجفون والقائلون بالرجعة والحلول فى ضلالاتهم بعد أن برئ منهم الإمام علىّ وعاقبهم ، وبعد أن كذبهم ابنه محمد وأعرض عنهم وأقام فى الحجاز وتركهم بالعراق يلجون فى ادعاءاتهم .

     ولم يخل عصر الإمام جعفر الصادق ، فيما يورد الأستاذ العقاد ، وهو أبو إسماعيل رأس الإسماعيليين ـ لم يخل من داعية يفترى كذبًا علـى الأئمـة العلوييـن ، مثلما فعل أبو الخطاب الأسدى الذى كان يقول بتشخيص الجنة والنار ، وزعم فى بدايته أن أولاد الحسن والحسين أنبياء الله ، فلعنه جعفر الصادق وبرئ منه ونفاه .

      ودعا القرامطة للفاطميين كما دعا عبد الله بن سبأ للإمام علىّ ، وكما دعا المختار الثقفى لمحمد بن علىّ ، فأنكرهم الخليفة الفاطمى حين خرجوا على الدين وأغاروا على الحجاز واعتدوا على الحجاج ، وكتب الخليفة القائم الفاطمى وهو بالمغرب إلى داعية القرامطة يقول له : « العجب من كتبك إلينا ممتنا علينا بما ارتكبته واجترمته باسمنا من حرم الله وجيرانه بالأماكن التى لم تزل الجاهلية تحرم إراقة الدماء فيها وإهانة أهلها ، ثم تعديت ذلك وقلعت الحجر الذى هو يمين الله فى الأرض يصافح بها عباده ، وحملته إلى أرضك ورجوت أن نشكرك ، فلعنك الله ثم لعنك ، والسلام على من سلِم المسلمون من لسانه ويده » !

     ولم يكن صحيحًا ما قيل عن إباحة المذهب الفاطمى للمحرمات ، وثبت من نصائح أئمتهم ما ينقض هذا الادعاء ، وروى عن المعز لدين الله أنه أوصى أتباعه من زعماء كتامة بالمغرب بالاقتصار على زوجة واحدة ، وألاَّ تقودهم الشراهة إلى التعدد فيتنغص عيشهم وتنهك أبدانهم وتعود عليهم المضرة .

     وعلى خلاف الدعوى الربوبية ، كان المعز لدين الله مع علمه بالتنجيم ، يدين من يدعى علم الغيب والقضاء بالنظر فى النجامة ، وكان العزيز الفاطمى كالمعز فى هذا المعتقد ، وقال أخوه تميم فى إحدى قصائده ما يستشهد به الأستاذ العقاد فأورد بعضه ، واستشهد بأن الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله وقد خولط فى عقله ، إلاَّ أنه لم يثبت أنه تلقن من آبائه وأسلافه مذهب الإباحة وادعاء الربوبية ، أو أنه وريث قوم من اليهود أو المجوس المندسين ، أو أنه يحل الحرام ، بل ظهر أنه كان على النقيض يحرم المباح .

     ولم يثبت صحة كل ما قيل عن الحاكم بأمر الله ، وإنما كان التشنيع بالمضحكات والمبالغات عادة مألوفة فى القاهرة بذلك العهد وما تلاه .

    وقد وُضع كتاب عن « قرا قوش» صوره للناس فى صورة الطاغية الآمر بالمستحيلات والغرائب ، وغفل الكثيرون عن موضع الفكاهة فيه من تلفيقات الرواة ، فحسبوها جدًّا وتناقلوها وأضافوا إليها وبقوا يرددونها على هذا الفهم الخاطئ إلى زمن قريب !

     وعند ابن خلدون ، فيما يورد الأستاذ العقاد ، أن الاختلاق ظاهر فيما ادعوه على الحاكم من الدعاوى الدينية ، وأن ما روى عنه من الكفر فغير صحيح ولا يقوله ذو عقل ، ولو ظهر من الحاكم بعض ذلك لقُتل لوقته .

     على أن الأقاويل عن الحاكم ـ صحت أم لم تصح ـ إنما يرويها الرواة ناسبين إياها إلى رجل مخلوط العقل ، لا يعوّل له على إرادة !

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *