فى مدينة العـقاد (585) ـــ فاطمة الزهراء والفاطميون (14)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الباطنيـة

 

      على كثرة المنتفعين بالطعن فى نسب الفاطميين ، وتعدد أغراضهم وفئاتهم ووسائلهم ، إلاَّ أن هذه المطاعن فيما يرى الأستاذ العقاد لم تكسب مصدقين إلاَّ قليل .

     بيد أن الأثر البالغ فى تنفير الناس من الفاطميين أتى من ربط الحركة الفاطمية بالحركة الباطنية ، وادعاء الخصوم أن جميع الباطنيين إسماعيليون ممن ينتمون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق .

     ومن الزمن والناس فى المشرق يفهمون الإسماعيلية على أنه كلمة مرادفة للباطنية ، ومن ثم يلصقون بالإسماعيلية كل لصق بالباطنية من المساوئ والمنكرات والقبائح والفضائح ، وهى فى الواقع كثيرة ومنفرة فيما يرى الأستاذ العقاد .

       وساعد ـ فى نظره ـ على لصق التهمة بالفاطميين أن بعض المجاهرين بالإباحة والاجتراء على مناسك الإسلام ، كالقرامطة فى البحرين ، كانوا يعلنون تشيعهم للإسماعيليين ، أو بعبارة أخرى للفاطميين ، ومن ثم وقر فى الأذهان أن الإسماعيلية جميعًا إباحيون ، وأن الباطنية هى إخفاء المنكرات وإعلان التشيع للتغرير والتضليل .

      وفى ذلك قيل شعر فى روايات مختلفة عمن يدعى « على بن فضل » ـ الذى قيل إنه من دعاة الباطنية ، وقد أورد الأستاذ العقاد نماذج من هذا الشعر .

     وقد قيل على الجملة إن الباطنيين يظهرون الإسلام ليكيدوا له ويدسوا عليه عقائد الشرك والضلال بين أهله ، وإن هؤلاء فى الأصل مجوس منطوون على بغض شديد للعرب ودينهم ، فلما لم يستطيعوا هدمه وتقويض دولة العرب ، احتالوا على مآربهم بالدسيسة والمكيدة ، ولجأوا إلى هذا الأسلوب لاستدراج المسلمين وتحويلهم شيئًا فشيئًا عن عقائدهم إلى التعطيل والإباحة والكفر بالبعث والمعاد ، وإنكار الفرائض والعقائد والأديان .

     قالوا : وإن الإسماعيلية خاصة يبثون دعوتهم على درجات ويأخذون المواثيق والأيمان على مريدهم ألاَّ يفشوا لهم سرًّا ولا يظاهروا عليهم أحدًا ، لم يتدرجون بهم من التشكيك وطلب المزيد من العلم على أيدى الأئمة المعصومين ثم تلقين بعض الرموز التى تروق المريد وتشوقه إلى المزيد من الأسرار ثم تعريفه بنظام الدعوة ومن يتولاها ثم تأويل النصوص وتحريف الألفاظ على ظواهر معانيها ثم الخوض فى المذاهب الفلسفية التى تنتهى فى الدرجة التاسعة من درجات الكشف والزلفى إلى تأليه الإمام على مذهب الحلول ، وأنه هو روح الله قد حلت فى جسد إنسان ، ولعمرى ماذا فى وسع عشرة أو عشرين من « الواصلين » إلى هذه الدرجة فى أرذل العمر أن يصنعوه حين يعلمون سرًّا بإباحة الشهوات ورفض الأديان ؟! .

    ويعقب الأستاذ العقاد على ما أورده ، بأن آفة الباحثين فى هذه الألغاز والإشاعات أنهم جعلوها مسألة أخبار وروايات ، وراحوا يعتنون أنفسهم فى جمعها على تناقضها وتنافرها .

      هؤلاء المؤرخون الذين يطلق عليهم الأستاذ العقاد : « الورقيون أو الحرفيون »
لا يصلحون  لبحث هذه المسائل التى يبدأ البحث الصحيح فيها
ـ وينتهى ـ  فى السريرة الإنسانية وما يجوز فيها وما لا يجوز ، وما يعقل وما لا يعقل ، وما يجب رفضه بداهةً دون الرجوع إلى أوراق ونصوص .

      ومن الطريف ـ فيما يرعى ـ أنه مع تقيد المريدين بالأيمان والقسم ليكتموا السر ، فإذا بهذا السر المكتوم يحلهم من جميع تلك الأيمان والأقسام ، ولا يضمن نقلهم إلى يقين جديد !

      وأطرف من ذلك ـ فيما يسوق ـ أن يقال عن رجل إنه معطل منكر للأديان والمعاد ، ثم يقال عنه إن كراهته لدين تدفعه أن يستميت سرًّا وعلانية ويعرض نفسه للقتل والتشريد أملاً فى يوم يزول فيه هذا الدين ؟! فما حاجته إلى ركوب كل هذه المخاطر لزوال دين ينكره وينكر المعاد !

       فلا يمكن أن يقدم على هذا العمل ، وعلى هذه التضحيات ، هدم دين ، إلاَّ إذا كان مؤمنًا بدين غيره من الأديان ، وتدفعه غيرته عليه إلى معاناة كل هذا الجهاد لهدم دين منافس له .

         إذ ليس للمنكر المعطل لكل دين وكل عقيدة ، أن يركب كل هذا المركب ، بينما هو يفتقد ـ لإلحاده وتعطيله ـ إلى أى حماسة روحية تهون عليه ما يتعرض له من مشقة وأخطار ، ولمجرد أنه يكره دينًا يرد عليه فى مفهومه هذا التعطيل الذى يكفيه لإنكاره كما أنكر سواه من الأديان !

       كان تصديق هذا مفهومًا فى القرون الوسطى ، لأن الاعتقاد آنئذٍ أن الكافر يكفر فى سبيل الشيطان ، وأنه يرى الشيطان ويلمسه بحواسه ، ويسمعه بأذنيه ويوسوس له ويساومه .

       أما فى عصرنا الحاضر ، فمن العسير إن لم يكن محالاً ، تخيل إنسان ملحد ينكر كل شىء ، ثم يجرد نفسه لأهوال الدعوة الباطنية لأجل شىء لا قيمة له لديه ، إلاَّ أن تكون
« السطوة » هى غاية هذا الملحد الذى يطير فى فراغ ! ثم لا يعقل بعد كل هذا أن يكشف الملحد حقيقته للمريدين المطلعين على دسائسه وغواياته التى يلبسها على الناس بتلبيس من العقائد وأسرار الديانات .

      وقد شغلت طائفة من المؤرخين الأقدمين والمحدثين بدعوة القرامطة وأشباههم  فى اليمن وفارس وادعائهم الانتساب إلى الإسماعيلية فى المغرب مع مجاهرتهم بالمعاصى واجترائهم على مناسك الحج وتمثيلهم بالحجاج من الرجال والنساء ، وخطر لهؤلاء المؤرخين أنه توجد بالفعل علاقة نسب جدية بين القرامطة والإسماعيلية ، وأن هذا الخاطر يستوجب البحث لإثبات هذه العلاقة بين هؤلاء وهؤلاء .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *