فى مدينة العـقاد ـــ فاطمة الزهراء والفاطميون (13)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     كما أن ادعاء العباسيين أن خلفاء الفاطميين أباحوا الحرمات لم يقم عليه دليل ، بل ثبت أن بعضهم اكتفى بزوجة واحدة ولم يبح لنفسه ما كان مباحًا ـ آنذاك ـ من التسرى واقتناء الإماء . أما الحاكم بأمر الله ، فمع أنه خولط فى عقله ، إلاَّ أنه جنح إلى التنطس فى الطعام وحرم المباح منه ولم يبح الحرام !

     ويستشهد الأستاذ العقاد أيضًا على هذا الانتحال ، بقصة رواها ابن خلكان فحواها أن « العزيز بالله » صعد المنبر فوجد أبياتًا فيها لمزٌ على النسب وتحدٍّ بأن يثبت نسبه كما فعل « الطائع » العباسى .

     والعجيب فى تحدى العزيز بالله بأن يظهر نسبه كما أظهره الطائع العباسى ، أن الطائع نفسه قد علم بكتابة وزيره « عضد الدولة » إلى العزيز ، وحمله الهدايا إليه واعترافه بنسبه وأنه تلقى منه الشكر « لإخلاصه فى ولاء أمير المؤمنين ومعرفته نحو إمامته ومحبته لآبائه الطاهرين »  .

     وقد تواتر فيما يسوق الأستاذ العقاد ـ أن عضد الدولة هَمَّ بالخطبة فى بغداد للخلفاء الفاطميين لولا أن رده عن ذلك ـ وحذره ـ بعض الدهاة من أصحابه !

     وقد أشار أبو شامة المقدسى صاحب « الروضتين فى أخبار الدولتين » إلى قيام الدولة الأيوبية بعد الدولة الفاطمية ولكنه يعلم أن صلاح الدين الأيوبى أذن بالخطبة فى يوم الجمعة للخليفة الفاطمى ، وأنه إنما حول الخطبة إلى الخليفة العباسى بعد وفاة العاضد آخر خلفاء الفاطميين ، وأنه أطاع فى ذلك أمر رئيسه نور الدين بن زنكى ولم يكن لصحة النسب أو بطلانه شأن فى هذا التغيير ، ومرجعه الأهم إلى الخلاف بين مذهب الشيعة ومذهب أهل السنة ، إذ كان الأيوبيون سنيين يشتدون فى اتباع مذهب أهل السنة ، وزادهم فيه شدة ما كان بين الكرد والديلم من النفور والنزاع ، وكان الديلم شيعيين والكرد سنيين ، وقد تفاقم النزاع بين رؤسائهم حتى سرى إلى الألقاب ، فكان بنو بويه من الديلم يتلقبون بألقاب معز الدولة وركن الدولة وعضد الدولة ، وكان الأيوبيون من الكرد يتلقبون بألقاب نجم الدين وعماد الدين وصلاح الدين .

    ولاحظ الأستاذ العقاد أن بعض المؤرخين الذين خلطوا بين الدعوة الفاطمية والدعوة الباطنية ـ يحيلون إلى أماكن بعيدة يتعذر مراجعة أسانيدهم ورواياتهم فيها ـ فينحو أبو المعالى الفارسى فى كتابه « بيان الأديان » إلى القول بأن ميمونًا القداح من مصر ، وجملة المؤرخين يقولون إنه من فارس ، ويتفق هؤلاء وأولاء فى الإحالة إلى مكان بعيد يتعذر فيه تحقيق الرواية بالسند الصادق .

     لذلك فإنه صح من أجل هذا قول ابن خلدون إن شهادة هؤلاء الطاعنين كانت منقولة عن السماع !

     وأصاب المقريزى حين قال إن العلويين على وفرة فى العدد مع جلال القدر عند  الشيعة ، فما الذى يحمل شيعتهم على الإعراض عنهم والدعاء لابن مجوسى أو لابن يهودى ؟!

     وابن خلدون والمقريزى قد أرخا لعبيد الله المهدى الفاطمى بعد عهده بزمن طويل ، وهما سنيان غير متشيعين ، ولكنهما نظرًا فى مطاعن أعدائه نظرة المؤرخ المحقق لا المغرض المتعجل ، فلم يجدا فى مطاعن الطاعنين حجة مقبولة ، بل وقامت عندهما الحجة على النسب الصحيح .

     كذلك فإن المؤرخ الأندلسى « غريب بن سعد » ، وهو ممن يوالون الأمويين ـ قد عاصر المهدى ، فلم يقدح فى نسبه ، ولم ينقل عن أحد من أمراء أمية فى الأندلس قدحًا فيه .

     ويعقب الأستاذ العقاد ختامًا لهذا الفصل ، فيقول بعد هذا الصبر الطويل فى البحث : « وغاية ما ننتهى إليه فى هذه المسألة ـ مسألة النسب الفاطمى ـ أن المطاعن لم تمسسه بدليل واحد يعول عليه ، وأن مطاردة عبيد الله عند اتجاهه إلى المغرب دليل على أن العباسيين أنفسهم كانوا يخشون دعوته ، وأن مبايعة الشيعة لأبنائه ـ سواء شيعة الديلم فى بغداد أو شيعة الزيديين خاصة فى اليمن ـ ترجح صدق انتسابهم إلى السيدة فاطمة الزهراء إن لم تؤكده كل التوكيد ، وقد كانت دعوى المنكرين عليهم كما سبق أضعف الدعوات لأنها الدعوى المنتظرة التى تمليها البواعث المتعددة ولا يتخيل أحد أن يتصدى الفاطميون لطلب الخلافة بحق ذلك النسب ثم لا يتعرضون لإنكاره عليهم ما وسع المنكرين أن ينكروه » .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *