فى مدينة العـقاد ـــ فاطمة الزهراء والفاطميون (12)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

      أنكر العباسيون نسب الفاطميين ، وزعموا أنهم ينتمون إلى « ميمون القداح » ابن ديصان الثنوى القائل بالإلهين ، وتلقف التهمة كل ناقم على الفاطميين وهم صنوف متعددو الانتماء والمذاهب والنحل ، كالإخشيديين والأغالبة والأمويين الأندلسيين ، وزاد عليهم من كان تابعًا للفاطميين ثم تمحل المعاذير للخروج عليهم ، بل وقيل إن بعض العلويين انقلبوا عليهم ، ونسب إلى الشريف أبى الحسين محمد بن علىّ المشهور بأخى محسن الدمشقى ـ نسب إليه أنه كتب رسالة فى تفنيد دعواهم أنكرها المقريزى ونسبها إلى من يدعى عبد الله بن رزام .

       وقد كتب الخليفة « القادر بالله » ـ إشهادًا ببطلان نسب الفاطميين بعد أن سمع أبيات فخر للشريف الرضى استفزته ، فأرسل إلى أبيه الشريف أبى أحمد الموسوى يقول :

      « إنك قد عرفت منزلتك منا وما تقدم لك فى الدولة من مواقف محمودة ولا يجوز أن تكون أنت على خليفة ترضاه ويكون ولدك على ما يضاد ما لا نزال عليه من الاعتداد بك لصدق الموالاة منك ، وقد بلغنا أنه قال شعرًا فياليت شعرى على أى مقام ذل أقام وهو ناظر فى النقابة ـ نقابة الأشراف ـ والحج ، وهما من أشرف الأعمال ، ولو كان بمصر لكان كبعض الرعايا » .

     ويُروى أن أبا أحمد الموسوى استدعى ابنه الرضى فأنكر الشعر ، فأمره أبوه أن يكتب بخطه إلى القادر بالاعتذار وإنكار نسب الحاكم بأمر الله ، فأبى ، فقال له أبوه : « أتكذبنى فى قولى ؟ » . قال : « كلا ما أكذبك ، ولكنى أخاف من الديلم ومن الدعاة فى البلاد » فقال له أبوه : « أتخاف من هو بعيد عنك وتسخط من هو قريب منك وهو قادر عليك وعلى أهل بيتك ؟ » ، وغضب أبوه وحلف ألاّ يقيم معه فى بلد واحد ، هنالك تراجع الشريف الرضى وحلف أنه لم يقل تلك الأبيات وكتب بخطه فى محضر الإنكار ، وشاع الزعم بعد كتابة هذا المحضر ـ  فيما يسوق الأستاذ العقاد ـ أن المهدى الفاطمى لم يكن يُسمى عبيد الله ، وأن اسمه الصحيح « سعيد بن أحمد بن عبد الله القداح بن ميمون بن ديصان » .

      وقد اختلفوا فى نسبته تارة إلى المجوس وتارة إلى اليهود ، وأضاف الأستاذ العقاد أنهم اختلفوا فى الجد ( المجوسى فى قول واليهودى فى قول ) ، فقيل إن عبيد الله كان ابن حداد يهودى مات عن زوجة فبنى بها الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون ، وتبنى
عبيد الله .

       وقيل فى رواية أخرى إن عبيد الله قُتل فى سجن « سجلماسة » بالمغرب ، فأشفق داعيته أبو عبد الله الشيعى من سقوط الدعوة فجاء بعبدٍ يهودى سماه عبيد الله وبايعه بالخلافة .

       وقيل بل إن أَمَةً للإمام جعفر الصادق علق بها يهودى فولدت منه عبيد الله ونشأ فى بيت الإمام جعفر منتميًا إلى أهل البيت .

البيان العباسى

 

      أورد الأستاذ العقاد أن البيان العباسى بإنكار النسب الفاطمى ، كان بلهجة شديدة العنف تنم عن الغيظ ، وتخلو فى الوقت نفسه من الدليل ، ومنه « أن هذا الناجم بمصر هو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم ـ حكم الله عليه بالبوار والدمار ، وأنه ابن معد بن إسماعيل بن محمد بن سعيد ـ لا أسعده الله ـ ، وأن من تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس عليهم اللعنة ولعنة اللاعنين خوارج لا نسب لهم فى ولد علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه ، وأن ما ادعوه من الانتساب إليه زور وباطل ، وأن هذا الناجم فى مصر هو وسلفه كفّار زنادقة ملحدون معطلون وللإسلام جاحدون ، أباحوا الفروج وأحلّوا الخمور وسبّوا الأنبياء وادعوا الربوبية … »

        ولم يقصّر المؤرخون المنكرون للنسب ، فى استعمال العنف والسباب ، فقال
« أبو شامة المقدسى » صاحب كتاب « الروضتين فى أخبار الدولتين »
ـ قال عن الفاطميين : « إن المعروف عنهم أنهم « بنو عبيد » ، وكان والد عبيد هذا من نسل القداح الملحد المجوسى ، وقيل : كان والد عبيد هذا يهوديا من أهل سلمية من بلاد الشام ، وكان حدادًا . وعبيد هذا كان اسمه سعيدًا ، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد الله وزعم أنه علوى فاطمى ، ثم ترقت به الحال إلى أن ملك وتسمى بالمهدى ، وكان زنديقًا خبيثًا عدوًا للإسلام  متظاهرًا بالتشيع متسترا به حريصًا على إزالة الملة الإسلامية ، قتل من الفقهاء والصالحين جماعة كثيرة ، وكان قصده إعدامهم من الوجود لتبقى العالم كالبهائم فيتمكن من إفساد عقائدهم ، ونشأت ذريته على ذلك منطوين يجهرون به إذا أمكنتهم الفرصة وإلاّ أسروه ، والدعاة منبثون لهم فى البلاد ، وبقى هذا البلاء على الإسلام من أول دولتهم إلى آخرها ، وفى أيامهم كثرت الرافضة وأفسدت عقائد طوائف من أهل الجبال الساكنين بثغور الشام ، وأخذت الإفرنج أكثر البلاد بالشام والجزيرة إلى أن منَّ الله على المسلمين بظهور البيت الأتابكى وتقدمه مثل صلاح الدين فاستردوا البلاد وأزالوا هذه الدولة .. » 

        ومن اعتدل من المؤرخين فى الإنكار والسباب ، أيد التهمة بالقصص التى تؤكدها
لو ثبتت ؛ بيد أنه قام الدليل القاطع على انتحالها . فقد نسب إلى « ابن طباطبا » أنه سأل المعز لدين الله الفاطمى عن نسبه ، فاستل المعز سيفه وقال : « هذا نسبى » ، ثم نثر الذهب على الحاضرين وقال : « وهذا حسبى » .

      والدليل القاطع على كذب وتلفيق هذه القصة ، أن « ابن طباطبا » توفى ـ فيما يستشهد الأستاذ العقاد ـ قبل أربعة عشر عامًا من مقدم المعز إلى مصر ، مما لما يجد معه ابن خلكان بدًّا ـ وهو من المعتدلين فى إنكار النسب ـ من الإقرار بأن ذلك لا يستقيم ، ولكنه غسل يده من النتيجة المثبتة للانتحال ـ بقوله : « ولعله أمير آخر ! »  .

      وظاهر بغير عناء ـ فيما يورد الأستاذ العقاد  ـ أن الوثيقة العباسية لا قيمة لها من الوجهة التاريخية ، لأن مَن وقَّعوها من العارفين بالأنساب أُكرهوا إكراهًا على توقيعها ، أما غيرهم فلا حجية لقول أى منهم فى مسائل النسب والتاريخ ، وقد أضعف العباسيون حجتهم بنسبتهم جد الفاطميين ( عبيد الله ) إلى « ديصان » الثنوى ، بينما الثابت أنه ذهب إلى التوفيق بين المسيحية والزرادشتية  قبل البعثة الإسلامية بأربعة قرون !!!

      ولم يظهر أحدٌ بهذا الاسم على عهد العباسيين ، غير من يسميه المؤرخون حينا
« زندان » أو « دندان »
ـ ولا شأن له بنشأة الثنوية ولا بالدعوة إليها فى قول أحد أولئك المؤرخين  .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *