فى مدينة العـقاد ـــ فاطمة الزهراء والفاطميون (11)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

النسـب 

      كل دعوى تمليها البواعث النفسية أو الأغراض السياسية والاجتماعية ، هى من
أقوى الدعاوى ، لأنها لا تجىء عفوًا ، وإنما تصدر عن ترتيب تحفزه هذه البواعث والأغراض .

     وتزداد الدعوى قوةً حينما تتعدد البواعث والأغراض التى تحفزها .

     على أنه على قوة هذه الدعوى ، باعتبارها دعوى منتظرة متوقعة ، فإنها لذات هذه الدوافع بعينها ـ دعوى ضعيفة متهمة ..

     ذلك أن تعدد البواعث والدوافع يؤدى بالضرورة إلى التناقض والاختلاط اللذين يؤديان إلى تعدد وتناقض الروايات والأقاويل ، فمن الصعب بل من المحال أن يتفق مروجوها على تعددهم وتعدد أغراضهم ـ على اختراع رواية واحدة يتفق عليها المتعددون  .

*       *       *

 

     والذى لا مراء فيه أن اتهام الفاطميين فى نسبهم دعوى متوقعة أو دعوى منتظرة على حد تعبير الأستاذ العقاد ، لتعدد البواعث إليها ، فلا جرم إذن أن تكون فى وقت واحد قويةً وضعيفةً .. قوية بالحشد المرتب لها ، وضعيفة لاتهامها فى أغراضها وتعدد بل وتناقض أقاويلها  ..

     كان الفاطميون يطلبون الخلافة معتمدين فى طلبها على النسب .

     وكانوا فى طلبهم الخلافة يهددون خصومًا كثيرين ، ما بين ناعمين بما ملكوه ولا يقبلون النزول عنه ، وما بين ساعٍ للوصول إليها يخشى مزاحمته فيما يتغيّاه .

     لذلك تعددت بواعث دعوى النسب المتوقعة ـ أو المنتظرة ـ فى المشرق والمغرب ، وتوافقت الأغراض على ترويجها وتثبيتها بين الخائفين على عروشهم ، لتحريضهم على الفاطميين مع إعطائهم الحجج أو التعلاّت على عدم صحة هذا النسب ، والمطاعن عليه .

       وقد كان الفاطميون فى انتسابهم إلى الزهراء ، يعتمدون فى طلب الخلافة على انتسابهم ـ بالتبعية ـ إلى النبى عليه الصلاة والسلام  .

      وقد كان هذا النسب حجة معتمدة لا يمارى فيها الأكثرون من أتباع الأقطار الإسلامية التى تسرى بينهم دعوة آل البيت .

      ولا شك أن صيرورة الخلافة إلى الفاطميين ـ نذيرٌ بزوال عروش كثيرة ، سواء فى ذلك الدولة العباسية ، أو الدول المتفرعة عنها أو الموازية لها .. كانت الدعوة للخلافة الفاطمية تهدد عروش العباسيين فى بغداد ، والإخشيديين فى مصر ، والأغالبة فى شمال أفريقيا ، والأمويين فى الأندلس ، فضلاً عن تهديد أوضاع الأمراء الصغار المنبثين هنا وهناك بين البلدان الإسلامية .

     وفيما عدا العباسيين الذين ينتسبون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، فإن باقى أصحاب العروض كانوا غرباء لا نسب لهم بآل البيت  .

     على أن العباسيين على انتسابهم ، كانوا أخوف الخائفين من نسب الفاطميين بعد أن كانت دعوة أهل البيت تشملهم أجمعين منذ ثلاثة قرون .

     فعندما ضعفت دولة بنى أمية ، قويت دعوة آل البيت التى كان ينهض بها العلويون والعباسيون  .

     ولكن العباسيين استطاعوا أن يأخذوا بزمام الدولة الجديدة على اعتقاد الأكثرين أنهم مع دعوتهم لخلافة العلويين أبناء فاطمة وعلىّ ، كانوا أحق الناس باسم آل البيت فى رأى أتباع الدولة الجديدة .

       وقد بنى العباسيون حركتهم فى البداية ، على حق العلويين ، وانتحلوا قصة مؤداها أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن علىّ بن أبى طالب ، حين دُس له السم واستشعر سريانه ، عرج إلى « الحميمة » حيث يقيم محمد بن على بن عبد الله بن العباس ، وأفضى إليه بأسرار الدعوة الهاشمية ، ونزل إليه عن حقه فى الإمارة (؟!) ، وأنه بذلك تحول حق الإمامة من بيت علىّ إلى بيت العباس بمقتضى هذه الوصية . 

     وقد بلغ إيمان أتباع الدولة الجديدة بهذا الرأى ، أن بعض الخلفاء العباسيين ـ كالرشيد والمأمون ـ أظهروا العزم على الوصاية من بعدهم لولاة عهد من العلويين .

      بيد أن العداء استحكم بين بنى العباس وبنى علىّ ، حتى لاقى العلويون من العباسيين أشد وأقسى مما لاقوه من الأمويين ، ولجأ الأئمة العلويون إلى الاختفاء وشاعت وقتذاك العقيدة فى « الإمام المستور » . ثم شاعت الدعوة إلى العلويين باسم الفاطميين باعتبارها الأقرب إلى نبوة محمد عليه السلام ، ذلك أن العباسيين إن استطاعوا المجادلة فى درجة قرابة العباس وعلىّ ، فإنه لا مجال لهم للمنازعة فى شأن بنوة فاطمة ابنة محمد المنتمية  إلى بيت النبى نفسه ، وليس إلى الأعمام وأبناء الأعمام .

       وبدأت الدولة العباسية فى التضعضع وكثر الساخطون عليها الراغبون فى زوالها ، وكثر كذلك شهداؤها من آل البيت أبناء على وفاطمة ، وزال عن الدولة العطف الذى كان عليها لقرابتها من بيت النبوة ،  وتحول عطف الناس إلى الشهداء العلويين المظلومين المشردين فى أرجاء البلاد ، حينذاك أصبحت دعوة « الفاطميين » وقفًا على هؤلاء المشردين المظلومين لا يشاركهم فيها العباسيون الذين صاروا خصومًا لهم وأعداءً  .

        ومن الفاطميين جاء الخطر الأكبر على بنى العباس ، سواء بانتسابهم إلى الزهراء بنت النبى عليه السلام ، أم من ناحية ما وقع عليهم من مظالم وأريقت فيها دماء شهداء .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *