رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

 

المرأة الخالدة

 

       يبدو واضحًا لمن قرأ أعمال الأستاذ العقاد ـ أنه لا يعدل بالسيدة خديجة واحدة من أمهات المؤمنين ، وأن لها عنده ـ رضى الله عنها ـ المنزلة الأولى التى لا تدانيها منزلة أخرى ، وأن الكتابة عنها تخللت كتاباته عن الدعوة المحمدية ، ودورها العظيم فى استقبالها والوقوف إلى جوار النبى المرسل فى تصميم وفهم وإصرار .

      بيد أنه لعل القارئ قد راوده تساؤل ، لماذا إذن اختار الأستاذ العقاد السيدة عائشة للكتابة عنها دون الباقيات من أمهات المؤمنين ، وفيهن من كانت لها منزلة كبيرة وأثرًا عظيما ، كالسيدة أم سلمة عليها الرضوان ـ على سبيل المثال .

       فى هذا الفصل : « المرأة الخالدة » ـ إجابة على هذا التساؤل ، حيث التقت فى نظر العقاد صفة المرأة الخالدة مع السيدة عائشة رضى الله عنها ، حيث إنها المرأة التى اجتمعت لها خلاصة الرعاية فى آداب أمةٍ من الأمم ، وكانت ذات شأن فى تاريخ قومها لا يسهو عنه باحث موكل بدراسة التاريخ أو دراسة الآداب .

       وأعظم من ذلك ، فيما يقول ، شأن المرأة التى كتبت لها خلاصة الرعاية فى دين من الأديان ، والتى اشتركت فى سيرة النبى المرسل ـ  بعد خديجة ـ بذلك الدين ، ونقلت أحاديثه فى أحكام شريعته وخطرات ضميره ، ولقيت عنده الحظوة والمكانة والمحبة  .

           والسيدة عائشة ـ فيما يرى ـ هى هذه ، وهى تلك .

           هى المرأة التى لوحظت فى آداب الأمة العربية .

           وهى المرأة التى قال عنها النبى المرسل ـ عليه السلام ـ إنها الأحب إليه ، وتلقت الأجيال عنها مئات الأحاديث التى عرفوه بها فى دينه ودنياه .

       ولكن السيدة عائشة مع هذا وذاك ، تهم الباحثين والمؤرخين ـ فيما يورد ـ لسبب آخر غير هذين السببين ، أو متمم لهما ، لأنها المرأة التى تمثل فى تكوينها الأصيل خلقة الله ، أو هى المرأة التى تتمثل فيها الأنثى الخالدة التى لا تحتويها أمة واحدة أو زمان واحد ، لأنها استمدت من طبائع الإنسانية كل ما قدر لها من دوام  .

      وهذا الجانب هو قبلة الاهتمام بكل عظيم ، ويدور حولها غرض المؤرخ من سير العظماء ،  فالحقيقة التى لا ريب فيها عند الأستاذ العقاد ـ أن الغرض الأساسى الذى تلتقى عنده جميع الأغراض ـ هو توثيق الصلة بين الإنسانية وبين عظمائها وعظيماتها ، والنفاذ إلى الجانب الإنسانى من كل نفس تستحق الدراسة .

      نبقى سائرين على الجادة فى التعريف بصاحب السيرة أو صاحبتها ، إذا ما وصلنا من تلك السيرة إلى صميم الإنسان .

    ونحن نتوه فى الطريق ، إذا لم نجد بين أيدينا ـ من الدراسة ـ إلاَّ سرابيل العظمة وأقواس النصر ومواكب الرهبة والخشوع .

     إننا لو فهمنا النبى نبيًّا وكفى ، إنما  نكون قد وصلنا بين ضميره وضمائرنا ، وبين محراب العبادة عنده ومحراب العبادة عندنا .

     وإذا فهمنا البطل بطلاً وكفى ، إنما نكون قد وصلنا بين قدرته وقدرتنا ، وبين ضخامته بالقياس إلينا ، وضآلتنا بالقياس إليه .

    وإذا فهمنا الرئيس رئيسًا وكفى ، إنما نكون قد وصلنا بين مركزه فى الأمة ومركزنا ، وبين الحقوق والواجبات التى لنا وعلينا .

    ولكننا إذا فهمنا النبى إنسانًا ـ فيما ينوه الأستاذ العقاد ـ نكون قد فهمناه كله ، وفهمناه على حقيقته التى تعقد أواصر القرابة فيما بينه وبيننا ، لأننا وصلنا بين الإنسان فيه والإنسان فينا .

    وكذلك البطل ، والرئيس ، وكل ذى شأن يستحق الدراسة البحث .

    يبقى هؤلاء غرباء حتى يبين أن هذا هو الإنسان ! فإذا هم الأقربون الذين ترضينا عظمتهم لأنهم منا ونحن منهم  .

    والسيدة عائشة ـ رضى الله عنها ـ مثلٌ من أمثلة الأنوثة الخالدة بين جميع الأقوام وجميع العصور .

     وفضل الكتابة عنها ، وهذا بيت القصيد الذى يسعى الأستاذ العقاد لبيانه ، أنها كتابة عن تلك الأنوثة التى نلمحها فى كل أنثى من حولنا ومن قبلنا  .

     وأنها ترينا النبى فى بيته ، فترينا الرجل الإنسان الذى ارتفع بالنبوة إلى عليا مراتب الإنسانية .

     وفضلها على الجملة ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ أنك تقرأ من أخبارها ما تقرأ فلا تزال تقول : أجل هذه هى الأنثى الخالدة فى كل سمة من سماتها  .

      هى الأنثى الخالدة فى غيرتها ، وفى دلالها ، وحب الزينة ، وحب التدليل والتصغير ، وحب التطلع ، وحب المكايدة والمناوشة ، ومكاتمة الشعور والتعريض بالقول وهى قادرة على التصريح .

      ولا شك أن القارئ لا بد للوهلة الأولى أن تعتريه الدهشة من بعض هذه الصفات التى يصف بها الأستاذ العقاد ـ إحدى أمهات المؤمنين .

     بيد أن هذه الدهشة لا تلبث أن تزول حين يتابع بيانه ويتأمل المنظور الذى يتناول به الصفات ـ باعتبارها فطرية فى خلقة بنى الإنسان من بنات حواء .

           الغيرة التى يقصدها فى طبائع النساء ألوان :

           غيرة المرأة على قلب الرجل الذى تحبه ، ولو شغلته الذكرى ولم تشغله المودة الحاضرة .

           وغيرة المرأة من المرأة الجميلة وإن لم تنافسها على رجل تحبه  .

           وغيرتها من شريكتها فى زوجها كائنا ما كان حظ الشريكة من الجمال .

           والغيرة من كل مزية غير الجمال ـ ما كان فيها سبيل إلى الحظوة فى القلب الذى تريده .

           و« الأنثى الغيرى » فى جميع هذه الألوان ـ فيما يستخلص الأستاذ العقاد ـ ماثلة فى سيرة السيدة عائشة كما روتها وكما رواها غيرها .

           غيرتها من السيدة خديجة المتوفاة من سنوات ، غير فطرية لانشغال قلب النبى عليه السلام بها بعد وفاتها ، ومداومة ذكرها وحب من كانت تحبه أو كان يحبها .

           أما شريكاتها اللواتى كن يعايشنها فى حياة النبى عليه السلام ، فربما كان مرجع الغيرة من إحداهن لطعام يستطيبه النبى عندها ، فضلاً عن الغيرة من الجمال والملاحة .

          ولا يستنكف الأستاذ العقاد من إيراد ما كان من السيدة عائشة وصديقتها السيدة حفصة بنت عمر ، ما يستطيبه النبى عليه السلام ـ من العسل الذى تهيؤه له زوجته زينب بنت جحش ، وهى من أجمل أمهات المؤمنين ، فافتعلتا أن تدعيا لدى دخول النبى أنهما أكلتا « مغافير » ، وهو طعام صمغى حلو ولكن النبى كان يكره رائحته . فلما دخل النبى عند عائشة قال لها : إنى أجد منك ريح مغافير . قالت : لا ، ولكنى كنت أشرب عسلاً عند زينب بنت جحش فلن أعود إليه !

      وقد عُرفت زميلتها السيدة صفية بنت حُيَيْى بجودة الطهى ، وهى فى الأصل إسرائيلية من أهل خيبر ، فنفست عليها ـ بالفطرة ـ هذه الإجادة ، ولم تكتم غيرتها منها بل هى التى روتها ، وروت كسرها الإناء الذى كان فيه الطعام المرسل من صفية إلى بيتها ، ولكنها لم تكتم أيضًا ندمها على ما صنعت ، وسألت الرسول عن كفارته ، فقال : « إناء مثل إناء وطعام مثل طعام » .

       وكانت تغار من السيدة أم سلمة لجمالها وحظوتها .

           وهنا ينتقل الأستاذ العقاد إلى غيرة من لون آخر ، كان لها صداها فى التاريخ ، تلك هى الغيرة التى تثيرها الذرية المحبوبة المرقوبة ، سواء ما رزقه النبى من السيدة مارية ، أو ما كان للإمام علىّ وفاطمة من حظوة الذرية فضلاً عن مكانتهما أصلاً من رسول الله .

           ولا شك أن هذه الغيرة الفطرية غريزة عامة فى بنات حواء ، فغارت نساء النبى ولكن ليس كغيرة عائشة  .  

           لماذا ؟

           لأن عائشة ـ رضى الله عنها ـ كانت صاحبة المكانة الأولى التى زاحمت فيها مارية بأمومتها .

           وهنا بيت القصيد فى الاستخلاص ، وفحواه أنه فوق الطاقة والإمكان ، أن نطالب الطبيعة الإنسانية سيما الطبيعة النسوية ـ بما يرهقها ولا يتفق مع طبيعتها وفطرتها .

           فمن الطبيعى أن تُسَر المرأة بسرور الرجل لأنها تحبه ..

           ومن الطبيعى كذلك أن تغار من السرور الذى يحببه إلى غيرها ، لأنها تحبه ..

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *