فى مدينة العـقاد ـــ فاطمة الزهراء والفاطميون (10)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 هذا ولما استتر هؤلاء الأئمة شاع بينهم علم النجوم والرياضة والفلسفة ، وكان الإماميون من عهد علىٍّ رضى الله عنه ـ يؤمنون بأنه مُلهم ، وبإطلاعه على أسرار « كتاب الجفر » وما إليه من كتب النجوم .

      ولكن الأئمة الإسماعيليين أمعنوا فى ذلك ، وصار علمهم بالأسرار مطلوبًا منهم فوق علمهم الراسخ بشئون الإمامة فى الدنيا والدين ، فإذا سأل سائل عن أمر مستور فأولى بعلمه الإمام المستور الذى يعلم مواطن العلم والسر والجهر ويتحين أوقات الأفلاك لإظهار ما خفى من أمور الدعوة وأمور الإمامة .

     ومن قديم الزمن اعتقد أصحاب النجوم بوجود سر خاص فى العدد « سبعة » وفى العدد « إثنا عشر » ـ ولهم فى هذا استشهادات ، فاستدلوا على سر الرقم « سبعة » بعدد الأفلاك وبعدد أيام الأسبوع السبعة وعدد فتحات الوجه السبعة ، واستدلوا على سر الرقم « إثنى عشر » بعدد شهور السنة وعدد البروج السماوية وعدد أسباط بنى إسرائيل . وقد أدخل عددٌ من الأئمة نفسه فى خصائص هذه الأعداد .

       وللإماميين فروق يبسطونها ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ بين النبى والإمام والحجة والنقيب .

      فالنبى يبعث فى زمان بعد زمان ، فكان لكل من الأنبياء زمنه .

      والإمام قائم فى كل زمان .

      والحجة لازم فى الخفاء إذا كان الإمام ظاهر فى العلانية .. أما إذا استتر الإمام فلا بد له من حجة ظاهر .

      أما النقباء فالغالب أنهم دعاة أو وكلاء ، ولا بد لهم من الرجوع إلى الأئمة فى كل زمان .

      حين أعلنت وفاة إسماعيل بن جعفر الصادق ، انعقدت الإمامة من بعده لابنه محمد ، وارتحل محمد من الحجاز إلى الرىّ ، إما لأنه لم يطق منافسة عمه موسى الكاظم على زعامة العلويين ، وإما لأنه آثر الانزواء والاستتار لدفع أذى العباسيين .. وقد لقب بالإمام المكتوم لأنه جعل يبث دعوته خفية فى تنقلاته التى فرضتها عليه الملاحقات  .

     ثم ضاق المشرق كله بخلفائه ، فهجره « عبيد الله المهدى » إلى المغرب ، وهو رأس الدولة الفاطمية .

     أما نسب عبيد الله المهدى ، فقد وقع فيه خلاف ، وطبقًا للمقرين بنسبه فإنه عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثانى بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق  .

      وفى زعم من لم يقروا بنسبه ، أنه منتسب إلى ميمون القداح .. فهو فى زعمهم محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق  .

      وقد حاول المؤرخ الهندى « مأمور » فى كتاب « الجدل والمناقشات فى الخلفاء الفاطميين » ـ حاول أن يوفق بين الروايتين ، وخلاصة محاولته أن اسم « ميمون » ليس اسمًا حقيقيًّا ، وإنما هو اسم انتحله « محمد المكتوم » ، وانتحل أيضًا لقب « القداح » فى حال استتاره .

      وتعددت بلا نهاية ، فيما يشير الأستاذ العقاد ـ الروايات والتخريجات التى تعطل انتقاله من المشرق إلى المغرب  .

      على أن الروايات تتفق على أن الدعوة كانت موكولة فى المغرب إلى أبى عبيد الله الصنعانى من صنعاء اليمن ، واسمه الكامل : الحسن بن أحمد بن محمد بن زكريا ، وكان من ولاة الحسبة فى بغداد .

     وينقل الأستاذ العقاد ما وصفه به ابن عذارى المراكشى فى كتاب « البيان المغرب فى أخبار المغرب » ـ لينتقل إلى أن المجال لا يتسع لسرد أعمال عبيد الله فى المغرب ، وأن ما عناه بما أورده هو الإشارة إلى أساليب هؤلاء الدعاة فى دخول البلاد التى يقصدونها بالدعوة.

      وأول هذه الأساليب أن يكون الداعية مطلوبًا  لا طالبًا ، وأن يكون له حماة وأتباع من أبناء البلد التى يقصدها .

       ومن الشخصيات المؤثرة فى منشأ الدولة الفاطمية ـ عبيد الله الشيعى ، وقد سار على هذا الأسلوب واستمال إليه قبيلة « كتامة » القوية ، واتخذ الحول بعد الحيلة وجرد السيف وهزم دولة الأغالبة أعوان العباسيين ، وضمن لمولاه « عبيد الله المهدى » النجاح فاستقدمه حيث وصل إلى جبال الأطلسى قبيل انتهاء القرن الثالث للهجرة (سنة 296 هـ) .

      كذلك يطول الكلام فيما يقول الأستاذ العقاد ـ لو تتبع أعمال المهدى وخططه التى رسمها لإقامة عرشه فى أفريقيا وبسط كلمته من ورائها إلى الأقطار الإسلامية ، وقد دام ملكه فى المغرب أربعة وعشرين عامًا ، إلى أن توفى سنة 322 هـ ، فخلفه ابنه القائم ثم المنصور ابن القائم ، ثم المعز ابن المنصور ( سنة 341 هـ ) وهو الذى فتحت مصر فى عهده وانتقلت من خلافة العباسيين إلى خلافته سنة 356 هـ ، وقد تخلل ذلك خطوب وأحداث ودماء ، تناولناها فى كتاب « دماء على جدار السلطة » ( دار الشروق 2017 ) لمن يحب الرجوع إليها  .

      وقد ختم الأستاذ العقاد فصله عن الفاطميين ، بأن تاريخ الدولة الفاطمية جدير أن تفرد له المجلدات الضخمة ، وهذا صحيح ، لأنه فيما قال تاريخ يغنى عن التواريخ . إذ كانت هذه الدولة نموذجًا يقاس عليه ويعرض فيه ما لا يعرض فى قيام الدول الأخرى من العبر والأطوار وصنوف التدبير والمصادفة .

       فهى فيما لاحظ ـ  الدولة التى قامت بين ست دول أو أكثر من دول إسلامية وأجنبية تحاربها وتخشى عاقبة قيامها ، وأسست حقها على دعوة يتألب الخصوم من حولها على إنكارها ، واعتمدت فى دعوتها على وسائل غير مسبوقة .. منها التخذيل أو(الطابور الخامس) حسب المسمّيات الآن ، ومنها تسخير العلم والفن والفلسفة والقصص فى نشر الدعوة الظاهرة والخفية ، ومنها الاستعانة بالجماعات السرية ، ومنها المواكب والمواسم والمحافل والأعياد والعادات الاجتماعية ، مثابرة على الدعوة دون أن تهمل معها أركان الحكم .

      ويبادر الأستاذ العقاد إلى بيان أنه لا يطرق من أحوال الدولة الفاطمية إلاَّ ما له علاقة بالانتساب إلى الزهراء وما له علاقة بآثارها الباقية فى هذا البلد لأنه البلد الذى شهد من الدولة الفاطمية أهم أدوارها وأفخمها ، وبقيت مخلفاتها فيه أبقى المخلفات فى تاريخها الحديث .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *