فى مدينة العـقاد ـــ فاطمة الزهراء والفاطميون (9)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

       كان بين شريك القاضى والربيع حاجب المهدى معارضات , وكان الربيع لا يألو جهدًا فى الدس لشريك القاضى لدى المهدى , ومن الدس انتهازه فرصة رؤيا للخليفة المهدى رأى فيها « شريكًا » يعطيه ظهره , فقال له الربيع إنه بالفعل مخالف له , وإنه فاطمى محض . فاستدعاه المهدى وقد أضمر الشر , ولكن شريك القاضى استدرجه إلى مكانة فاطمة إلى أن أنطقه بالاعتراض على كل من يلعنها , فأشار إلى الربيع بأنه يلعنها , فلما أنكر الربيع مذعورًا , حاجاه بأن ذكر سيدة نساء العالمين وابنة سيد المرسلين فى مجالس الرجال افتئات يصل إلى حد اللعن , وظل شريك بأمير المؤمنين حتى أنطقه بأنه صادق , وأنه خيرٌ ممن أراده أن يتحامل عليه .

    وقد كانت هناك معارض كثيرة من هذا القبيل , ووشى البعض بأناس أنهم يوالون أبناء فاطمة , إلاَّ أن أحدًا من خلفاء بنى العباس لم يجسر على المساس بهم , إلاَّ أن يتعللوا بعلة أخرى غير النسب , كالعصيان أو التمرد أو ما أشبه .

    فلما هجمت الدعوة الفاطمية بما لا طاقة للدولة العباسية بدفعه إن اعترفوا بنسب أصحاب الدعوة , وجد العباسيون أنه لا مناص أمامهم من إنكار النسب , وساعدهم على ذلك تفرق الأئمة الفاطميين فى الأرجاء , واستتارهم بالدعوة , ووقوع اللبس فى الكنى والألقاب , فطعنوا على انتساب الفاطميين إلى السيدة فاطمة , وأذاعوا منشورًا سيأتى ذكره فى القسم الثانى من الكتاب , ووجد العباسيون غايتهم لدى نسابين شملتهم غواية السياسة , كان منهم « ابن حزم » الفيلسوف الحكيم , فعلى علمه غلبه هواه فى الأمويين فلم يسلم من غواية السياسة , وأبدى آراء فى كتابه « جمهرة أنساب العرب » , أراد فيها أن يثبت حق الأمويين فى الخلافة بالصعود إلى الجد الأعلى للأمويين والهاشميين : « فهر بن مالك » .

 

 

      والأستاذ العقاد وإنْ نَزَّه ابن حزم عن تعمد الافتراء , إلاَّ أنه تبنى أن هواه قد جنح به إلى قبول ما ليس بحجة فى إثبات نسب أو دفع نسب , وسار على ذلك فيما أبداه من علوم صحة نسب « عبيد الله » رأس الدولة الفاطمية ـ إلى الزهراء .

     بهذا الحديث مهد الأستاذ العقاد لتناول الموضوع ببعض التفصيل فى القسم الثانى من الكتاب , مقرًّا بأنه لا يزعم أن أحدًا وقف على الدليل القاطع الذى يثبت نسب « عبيد الله » رأس الدولة الفاطمية ـ إلى السيدة فاطمة , إلاَّ أنه لم يقف على دليل قاطع ينفى ذلك النسب , ولأن الأستاذ العقاد يدرك أنه لا يوجد دليل نفى بإطلاق , وأن البينة على عاتق مدعى النسب , فإنه أشفع هذا الاستدلال بأنه وقف على شبهات كثيرة توجب الشك فى مطاعن الطاعنين على النسب , ومن نماذج هذه الشبهات ما وقف عليه فى رواية نسابة كابن حزم .

 

القسم الثانى : الزهراء والفاطميون

 

    وزع الأستاذ العقاد هذا القسم على عدة فصول , تناول فيها : الفاطميين , والنسب , والباطنية , والباطنية الفاطمية , وحسن بن الصباح , ثم بناة وهدامون .. ومهدومون , وأخيرًا عن الحضارة المحتضرة .

 

الفاطميون

 

    لاشك أن أبناء فاطمة الزهراء فاطميون , بيد أن اسم الفاطميين يطلق فى تاريخ الدول على أبناء إسماعيل إبن الإمام جعفر الصادق , ويسمون من أجل هذا بالإسماعيليين .

    وقد كان أبناء الزهراء يعرفون أحيانًا بآل البيت , فلما استأثر بنو العباس  بالخلافة غلب عليهم اسم العلويين .

    ولما جاء الفاطميون آثروا الانتماء إلى الزهراء ، فمنها يستمدون حقهم فى الخلافة على أنهم أسباط النبى عليه السلام ، وأبناء الوصى علىّ بن أبى طالب .

      ولكن العباسيين نازعوهم دعوى الوصاية وأنكروها ، باعتبار درجة العم ( العباس ) أقرب من درجة ابن العم ( علىّ ) ، ومن ثم هم أحق بالخلافة كنسل العباس الأقرب إلى الرسول عليه السلام من ابن عمه .

       ومن أجل هذا تسمى الفاطميون بهذا الاسم ، لأن العباسيين لا يستطيعون منازعتهم فيه .

      أما تغليب اسم الإسماعيليين عليهم فمرجعه انتماؤهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق ، وأنه الإمام بعد أبيه ، وتميزوا بهذا الاسم من أبناء السيدة فاطمة الآخرين ، وهم ذرية موسى الكاظم ، وهو الأحق بالإمامة فى مذهب الأئمة الإثنى عشرية  .

       وكان الإمام جعفر الصادق قد أوصى بالإمامة بعده لابنه الأكبر إسماعيل ،
ثم نحاه عنها وأوصى بها لابنه موسى الكاظم ، وقيل فى أسباب تنحية إسماعيل أن أباه
علم أنه يشرب الخمر ، وقيل إن إسماعيل مات فى حياة أبيه فانتقلت ولاية العهد إلى
أخيه .

      أما الإسماعيليون فيقوم مذهبهم على أن تحويل الولاية لا يجوز ، لأنها أمر
الله الذى يتلقاه الإمام المعصوم ، ومن ثم لا يرد عليه تحويل لأن أمر الله لا يرد عليه
تعديل .

       ومن الإسماعيليين من ينفى وفاة إسماعيل فى حياة أبيه ، ويقولون إنه شوهد بعد تاريخ الإشهاد على وفاته ، وإنما أشهد أبوه جعفر على وفاته خوفًا عليه من الغيلة وتربص الخلفاء العباسيين  .

      هذا والخلاف بين الإسماعيليين وبين سائر الفاطميين قائم على إمامة إسماعيل ، أما الإماميون الذين لا يسلمون الإمامة لإسماعيل وذريته فإنهم طوائف متعددة ، أكبرها وأهمها الإمامة الإثنى عشرية ، لأنهم ينتهون بالإمامة إلى محمد المنتصر بن الإمام حسن العسكرى ، وعندهم أنه سيظهر فى زمانه الموعود  .

     ويتفق الأماميون على اعتقادهم عصمة الإمام فى تبليغ شئون الإمامة ، لأنه موئل السؤال والفتوى فى أحكام الدين والدنيا ، ولا يجوز عليه الخطأ  .

     ويضيف الإسماعيليون إلى أسباب العصمة ـ عقيدة التأويل ، لأن أحكام الدين عندهم لها ظاهر وباطن ، ولا يعلم تأويلها غير الله والراسخين فى العلم وهم الأئمة الذين يعلمون ما
لا يعلمه غيرهم  .

      ولهذا يسمى الإسماعيليون بالباطنيين ، ولا يقصرون أمور الباطن على أحكام الدين وآيات الكتاب ، بل يقولون إن كل موجود على الأرض له نظير فى الفلك الأعلى وأن مقادير هذه الموجودات تابعة للمقادير التى تجرى على نظرائها فى السماء .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *