فى مدينة العـقاد (579) ـــ فاطمة الزهراء والفاطميون (8)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الذريّة الفاطمية 

      ينبغى الالتفات فى مناقشة موقف الأستاذ العقاد من النسب والأنساب ، والذريّة الفاطمية ، وما ترتب على ذلك ـ أنه ليس نابعًا من قيم عصرنا ، فعصرنا يأبى وراثة الحكم بأية صورة من صوره ، وأيًّا كانت أسانيده ، لا سيما إذا انحصرت فى النسل والذريّة .

     وإنما ينبغى أن يُنظر إلى ما كتبه الأستاذ العقاد فى هذا الشأن ، فى إطار بحث تاريخى يحسب بمقاييس زمانة ، لا بمقياس عصرنا .. والذى لا شك فيه أن هناك دولة قامت واستمرت فى الحكم لسنوات ما بين المغرب العربى إلى مصر والشام ، وهى تحمل اسم الدولة الفاطمية ، مستمدة من انتسابها لفاطمة الزهراء حجتها فى الحكم الذى ناضلت للوصول إليه ، وحجتها فى المحافظة عليه .

     فالفاطميون واقع تاريخى .

     والدولة الفاطمية واقع تاريخى .

     مثلما أن الدولة الأموية والدولة العباسية والدول الموازية لها أو المتفرعة عنها واقع تاريخى .

     ومناقشة التاريخ ، والعوامل التى أثرت فيه ، لا يعنى بالضرورة الانقياد للمجارى التى جرى فيها .

     وقد رأيت أن أبدأ بهذا الإيضاح ، لأنه عسير على عقلى أن يساير منطق الوراثة فى الحكم لأنه جرى على مدى قرون ، وقامت عليه دول ، وزوت أو زالت دول .

   وقد كنت أقول ولا أزال إن أحقيّة علىّ بن أبى طالب بالخلافة ، لم تكن مستمدة فقط أو بالأساس ، من مجرد قرابته .. سواء قرابة العصب والدم ، أم قرابة النسب والمصاهرة..فقد كان شركاؤه فى قرابة العصب والدم عديدين ، من بنى هاشم وبنى عبد المطلب وبنى أبى طالب وبنى العباس ، ولكن أحدًا منهم لم يكن فى مكانة علىّ التى تجلت فى سابقته للإسلام ، وتجلت فى فدائه وفى بذله وعطائه ، وتجلت فى علمه وتفقهه فى الدين .

     وكان للإمام علىّ شركاءً فى النسب والمصاهرة ، فليس الوحيد الذى صاهر الرسول عليه الصلاة والسلام ، بل إن عثمان بن عفان زاد عليه فى أنه صاهر النبى مرتين ، وتزوج من ابنتين له على التوالى ، حتى حمل لقب « ذو النورين » كناية عن مصاهرته للنبى عليه السلام مرتين ، ولكن عثمان على فضله وسابقته وبذله ـ لم يحمل كل ما حمله الإمام علىّ من سجل قَلّ فيه نظراؤه .

     لذلك قلت ولا أزال ، إنه يظلم الإمام علىّ من يضيف إلى مناقبه وعناصر جدارته بالخلافة ، قرابته ونسبه إلى رسول الله . فإنه كان جديرًا بهذه الخلافة بما توافر له من مناقب وسابقة وكفاءة وجدارة وعطاء .

     لست أخفى أننى تابعت الأستاذ العقاد فى سيرة فاطمة ، متابعةً طيعةً شغوفةً بالإطلال على دوحة الزهراء .

      ولكنى لم أمض معه طيّعًا فى متابعة الذرية الفاطمية ، وما تعلق بالفاطميين والدولة الفاطمية ، ليس إنكارًا لحق الانتساب إلى هذه الدولة ، وإنما تحفظًا على أن يحتل هذا
« الانتساب » كامل الصورة ، ليبدو وكأنه قد حلّ محل عناصر الكفاءة والأهلية والجدارة والمناقب الشخصية .

     ولا شك أن هناك خصوصية فى الحسين بن علىّ ، مردها أنه فضلاً عن نسبه الشريف ، كان صاحب علم وفقه وقيم ومبادئ ومناقب ، جعلته فى مقدمة الباقين من الصحابة والتابعين بعد زمن الراشدين ، وجعلت كفة الميزان تميل ناحيته بقوة فى مقابل يزيد بن معاوية الذى بوأه أبوه قسرًا ولاية العهد من بعده ، على ما فيه وما اعتاده من لهو وتنعم وتعاطى للخمر وسماع للطنابير ومنادمة لمجالس القيان ، مع قلة الخبرة بشئون الحكم الذى كان منصرفًا عنه لملاهيه .

     وعلى ذلك فإن النسب الشريف للحسين ، لم يكن هو فقط مناط أفضليته على « يزيد » ، وجدارته بتولى الأمور ، وقد كان بالفعل هو الجدير بذلك ، دون أن يخل ذلك بنسبه الطاهر ، ولا بعمق المأساة التى جرت بمقتله وأهل بيته فى كربلاء، ولم يمض على انتقال النبى عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى سوى خمسين عامًا ، فدل ذلك ـ وهو الجدير بالدراسة ـ على أن الدنيا دخلت بكل إغراءاتها على معظم الناس ، وابتعدت بهم عن قيم ومبادئ وتعاليم الدين ، فكان الصراع فى حقيقته بين خلافة دينية قويمة ، وبين ملك دنيوى عضوض ، ولأن الزمن كان قد صار زمن ملك ، انتصر يزيد كما غنم من قبله أبوه معاوية ، على ما تقدم تناوله فى عبقرية الإمام ومعاوية فى الميزان .

    لست بهذا أصادر على الأستاذ العقاد ، وإنما أمهد فقط للإلمام بما كتبه فى تفسير تداعيات التاريخ فى أوانها ، لا فى عصرنا وأواننا .

*          *           *

     وأعود إلى ما بدأ به الأستاذ العقاد حديثه عن الذريّة الفاطمية ، من ملاحظة أن العرب أمة نسّابة ، يعنيها النسب لأنها اعتمدت عليه فى مفاخرها وفى مصائرها ، مثلما اعتمدت عليه فى حروبها .

     الخليع عندهم هو القطيع عن نسبه .

      وبعد الإسلام زاد الاهتمام بحفظ الأنساب ، ولجأوا إليه فى تدوين الدواوين ، كما لجأوا إليه فى ميادين القتال ، فكلما حمى الوطيس نودى فى الناس : انتسبوا .. أى ينتسب كلٌّ إلى قبيلته ومرادهم من ذلك أن يستحى المنتسب من عار الهزيمة التى ستلحق بنسبه ويمتد عارها إلى ذريّته .

     وبديهى ـ فى الأمة النسابة ـ أن تتعاظم العناية بذريّة النبى عليه الصلاة والسلام ، صونًا للنسب الشريف من ناحية ، ودفعًا للأدعياء من ناحية أخرى .

     ويضيف الأستاذ العقاد أنه لم يقع أى لبس قط فى نسب أبناء فاطمة مدى الصدر الأول للإسلام ، ولم يدّع أحدٌ أى شك فى هذا النسب طوال الدولة الأموية ، ولم يدّعه أحدٌ طوال الدولة العباسية ، وظل الأمر على هذا النحو إلى أن قامت بالمغرب العربى دولة تسمت بالدولة الفاطمية ، وامتد سلطانها إلى مصر والشام .

     ومع أن المأمون سعى بعد فترة من حكمه لإنصاف العلويين ، وعهد بولاية العهد من بعده إلى « علىّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق »، إلاَّ أنه قال له يومًا فيما ينقله الأستاذ العقاد : « بم تدعون هذا الأمر ؟ » فقال علىّ بن موسى الرضا بقرابة « علىّ » من رسول الله وبقرابة « فاطمة » ، فقال له المأمون : « إن لم يكن ها هنا إلاَّ القرابة فقد خلف رسول الله  r من كان أقرب إليه من علىّ أو فى مثل قدره ، وإن كان بقرابة فاطمة من الرسول ، فإن الحق بعدها للحسن والحسين ، وليس لعلىّ فى هذا الأمر حق وهما حيان ، فإن كان الأمر كذلك فإن عليًّا قد ابتزهما حقهما » .

     ولا مراء فيما يقول الأستاذ العقاد ـ أن هذا المنطق مردود عليه ، ولا يعجز علىّ الرضا أو غيره أن يرد على المأمون فى هذا المقام ، إلاَّ أن علىّ الرضا لم يفعل ، ربما إيثارًا لعدم الدخول فى لجاجة ، وأيسر ردٍّ أن أحدًا من جدود بنى العباس لم يتجاسر على طلب الخلافة فى حياة علىّ ، ولا فى حياة الحسن والحسين .

     ومع أن دعاة الدولة العباسية كانوا يدفعون العلويين بمثل ما قاله المأمون ، إلاَّ أنهم لم يتجرأوا قط على محاربة الولاء للمنتسبين للزهراء ، إلاَّ بدعوى غير دعوى النسب .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *