فى مدينة العـقاد (578) ـــ فاطمة الزهراء والفاطميون (7)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الأب الشفوق 

      لم يكن النبى عليه الصلاة والسلام يألو جهدًا فى البِر بأمّ أبيها كما كان يحلو له أن يناديها ، وكان يخصها بالقسم الأوفى مما يأتيه من أنفال ، وكان يوزعه جميعه على ذويه وأهل بيته ، ولكنه يخص الزهراء لما بها ويعرفه النبى الأب الشفوق .

     كان عليه الصلاة والسلام يعلو على إشفاق المشفقين .

     يبكى لأنه يرى أحب الناس إليه وأقربهم منه جائعة مرهقة ، ثم لا يملك لها ما يشبعها ويعفيها من عنائها ، بينما يملك كل شىء فى الجزيرة العربية ، ويستطيع إذا أراد أن يكون له من المال والثروة ما يشاء ويغنيه عمّا يلاقيه ويلاقى أهل بيته وأقربهم إلى قلبه ..

     نعم ، إن هذا هو برهان النبوّة المحمدية ..

     وكان أيضًا برهان الابنة البارّة التى استحقت بكل ما كانت تحمله وتتحمله أن تكون « أمّ أبيها » .

*       *       *

     ولم يكن بالزهراء من سقم كامن يعرفه الوصّافون من وصفه ، وكان العرب بارعون فى وصف الصحة والسقم ، إلاَّ أن أحدًا لم يكتشف أسباب شكواها ولا ما عساه يكون من أعراض مرض يذهب بالناس فى مقتبل الشباب ..

*        *        *

     حضرها الموت وخذلتها جوارحها ، ولكن عزيمتها حاضرة فى مواجهة الموت لا تخذلها ، فتولت أمر غسلها وحملها على النعش بنفسها ، وقالت لصاحبتها « أسماء بنت عميس » بعد أن اغتسلت : « يا أمّه ! ائتينى بثيابى الجدد » ، فلبستها ثم قالت : « لقد اغتسلت ، فلا يكشفن لى أحدٌ كفنًا » .

     وشكت نحول جسمها فقالت لصاحبتها : « أتستطيعين أن توارينى بشىء ؟ » قالت أسماء : « إنى رأيت الحبشة يعملون السرير للمرأة ويشدون النعش بقوائم السرير » ، فعُمل لها نعشها قبل وفاتها ، ونظرت إليه فقالت : « سترتمونى ستركم الله .. » وتبسمت ، ولم تُر مبتسمة بعد وفاة أبيها إلاَّ ساعتها .

     وكانت وفاتها على القول الأشهر ، ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة للهجرة ، ودفنت حسب وصيتها كما دفن رسول الله .

    فى كل دين كما يقول الأستاذ العقاد ـ صورة للأنوثة الكاملة المقدسة يتخشع  بها المؤمنون ، فإذا كانت قد تقدست فى المسيحية صورة مريم العذراء ، فلا جرم أن تتقدس فى الإسلام صورة فاطمة البتول .

 

شخصية الزهراء

 

    اجتمعت للزهراء فى التاريخ هذه المكانة ، لأنها بنت نبى ، وزوجة إمام ، وأم شهداء ..

     بيد أن هذا البيان اكتمل « بحقها الشخصى » ، أو بصفاتها التى كان لها أثر فى حوادث التاريخ ..

     هذا الجانب الذى يهتم به الأستاذ العقاد ، يمثل أصلا قويًّا من أصول الدعوة التى ثبتت أجيالاً طوالاً فى مجرى الزمن ، ولم تزل آثارها باقية فى عصرنا ، وفيما سوف يلى من العصور .

       لم يعرف التاريخ نظيرًا لثبات بنى علىّ وفاطمة على حقهم فى الإمامة ، أو فى الخلافة ، ولا صبر صبرهم فى تحمل المحن التى لاقتهم !

     حوربوا فيها زمنًا ، وتولاها من لا شك عندهم ولا عند الناس فى فضلهم عليه .. تولاها معاوية ، وتولاها بتوريث معيب يزيد بن معاوية ، فأنفوا أن يتركوا واجبهم استخذاءً وخضوعًا ، فحاربوا كما حوربوا ، وصبروا على الشدائد كما لم يصبر أحد ، وصمدوا مائة سنة ، ثم مائتين ، ثم ثلاثمائة سنة ، حتى دانت لهم الخلافة باسمهم فى الدولة الفاطمية ..

     ولولا خصال فيهم تعينهم على هذا النضال ، لما ثبتوا عليه هذا الثبات ، ولما استطاعوا أن يصمدوا للعسف والعنت من بنى أمية ثم من بنى العباس ، ولا أن يواصلوا وهؤلاء وأعوانهم وأتباعهم يلاحقون أبناء على وفاطمة بالقتل والاستئصال .

      فإذا كان مرجع هذه الخصال إلى الوراثة ، فلا شك أنها موروثة عن فاطمة كما هى موروثة عن الإمام على بن أبى طالب .

*       *       *

    وفى أخلاق السيدة  فاطمة مدد صالح للثبات على الحق الذى يعتقده صاحبه ، فلا ينكص عنه .

     كانت رضى الله عنها شديدة الاعتزاز بنسبها إلى أبيها ، وكانت مفطورة فيما يقول الأستاذ العقاد ـ على يقين التدين ، وكانت ذات إرادة لا تهمل فى حساب أى شأن ، وظهرت إرادتها فى المواقف القليلة التى نقلت عنها .

        ويبدو أن نظرة التدين لديها فيها وراثة من أبويها : كان حسبها ما ورثته من أبيها خاتم الأنبياء والمرسلين وما تعلمته منه بالتربية وبالمجاورة ، ولكنها ورثت أيضًا من أمها خديجة بنت خويلد الذى تصدى أبوها لعاهل اليمن غيرة على الكعبة ، والذى شغل ابن عمها ورقة بن نوفل بالدين فى الجاهلية ، وفرغ حياته له بلا دعوة من أحد .

      ومن فطرة التدين فى الزهراء وريثة محمد وخديجة ، أنها كانت فيما يقول الأستاذ العقاد ـ شديدة التحرج فيما اعتقدته من أوامر الدين ونواهيه .

      وكانت تتحرج فيما تجهله ولا تترخص وتشتد على نفسها ..

       وقد تقدم ما وصفتها به السيدة عائشة من أنها كانت أشبه الناس بأبيها ،
فى مشيتها وحديثها وكلامها ، وزادت على ذلك فقالت : « ما رأيت أفضل من فاطمة غير أبيها » .

       وقد تجلت إرادتها التى لا تُهْمل ، فى أمر زواجها ، وفى محاجتها لزوجها ، ومحاجتها لأبى بكر وعمر فى مسألة الميراث  .

      كانت لا تتكلم حتى تُسْأَل ، ولا تتعجل الحديث فيما تعلم ناهيك بما لا تعلم ، ولذلك انحصرت الأحاديث التى روتها عن أبيها فيما سمعته منه فى البيت أو فى المسجد .

       فإذا كانت الزهراء قد غادرت الحياة وهى فى نحو الثلاثين ، فإن ظهور هذا الجد وهذا اليقين وهذه العزة وهذه الإرادة وهى فى تلك السن الباكرة ، فدليل على قوة كامنة لعلها تفسر خلائق بنيها وما استمدوه من هذا الميراث المكين .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *