فى مدينة العـقاد (577) ـــ فاطمة الزهراء والفاطميون (6)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

وفاتها

    بدأ الأستاذ العقاد هذا الفصل , بإيراد نص بعض ما قاله فى « عبقرية محمد » , ولحرصه على ذلك , فإن الواجب يقتضى أن أورد كلامه بنصه كما أراد . قال :

    « حفظ النوع سر من أسرار الحياة الكبرى التى دقت عن الفهم وحارت فى تعليلها عقول الأساطين من أهل العلم والحكمة , وهو ولا ريب يجرى على قانون مطرد فى جميع طبقات الأحياء , وإن كنا لا نعلم كنهه ولا نسبر عمقه ولا نزيد على استقصاء بعض الملاحظات التى تقارب الحقيقة , أو هى أقرب ما نستطيع الوصول إليه  .

    « وأهم هذه الملاحظات التقريبية أنه يجرى على سنة المكافاة والتعويض فى معظم حالاته , فيقابل النقص فى جانب بالزيادة فى جانب آخر , ويقابل القصور فى مزية من المزايا بالإتقان فى مزية أخرى .

    « فالأحياء السفلى عرضه للعطب الكثير فى طور الولادة والحضانة , فيقابل هذا أن الأحياء السفلى ترسل ذرياتها بالألوف وألوف الألوف , فيبقى منها القليل الكافى لدوام النوع بعد فناء الكثير .

    « والأحياء العليا يقل عدد المولود منها فى البطن الواحد , فيقابل هذا أن تطول حضانتها والعناية بها , وتجد من وسائل الصيانة ما يعوض الكثرة فى الأحياء السفلى .

    « ويغلب أن يزيد النسل حين تكون زيادة النسل هى الوسيلة الوحيدة التى يستطيعها الفرد لخدمة نوعه وضمان دوامه , فإذا تيسرت للفرد وسائل مختلفة لخدمة نوعه فقد يجوز ذلك على نسله وينتقص من قسمة فى أبنائه , كأنما خدمة النوع ضريبة مفروضة على كل فرد فى الصور الأخرى , أو كأنما هى مواهب وأرزاق لا يستوفيها الفرد الواحد إلا بثمن غال يحسب عليه , ويؤدى حسابه للنوع على نحو من الأنحاء .

    « والإنسان هو أقدر المخلوقات الحية على خدمة نوعه بوسائل كثيرة لا تنحصر فى تجديد النسل وزيادة عدده .

    « فهل يجوز لنا أن نقول إن العظماء الذين حرموا النسل قد أدوا ضريبتهم بإصلاح شؤون الناس فلم يبق من اللازم المفروض عليهم أن يؤدوا هذا الضريبة من طريق الذرية ؟     

     « إن قلنا ذلك فإنما نقوله على سبيل الملاحظة التقريبية التى أشرنا إليها , ولا نبلغ بتلك الملاحظة فوق مبلغها من اليقين الذى تستحقه , فغاية مبلغها عندنا أنها تستوقف النظر للتأمل والمراجعة ولا تفضى بنا إلى الجزم أو إلى التغليب .

    « فبعض العظماء من أكبر خدام النوع لم يتزوجوا , وفيهم أنبياء معظمون لا شك في سيرتهم من هذه الناحية , كعيسى عليه السلام .

    « وبعض العظماء الذين تزوجوا لم يرزقوا الذرية , أو رزقوا ذرية كلها أناث , أو رزقوا ذرية من الإناث والذكور ولم يعيشوا , أو عاشوا ولم يعمروا ولا كانوا على حالة مستحبة من الصحة والنجابة .

    « وتواريخ العظماء فى جميع نواحى العظمة , وفى جميع الأمم , وفى جميع العصور , حافلة بالشواهد التى تعزز تلك الملاحظة وتجعلها خليقة بالتأمل والمراجعة , يدخل فيهم العلماء كما يدخل فيهم رجال الفنون والمخترعون ويدخل فيهم القادة العسكريون , ولا يصعب على أحد أن يدير بصره إلى فترة من الزمن فى بلد قريب يعرفه حق المعرفة ليشاهد مصداق ذلك فى نفر من عظمائه ومشهوريه , وحسبنا فى مصر أسماء جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده وسعد زغلول وعبد الله نديم ومصطفى كامل ومصطفى فهمى ومحمود سامى البارودى وحافظ إبراهيم .

    « فإذا جاز لنا أن نقف عند تلك الملاحظة وأن نتأمل مغزاها , وجاز لنا أن نفهم أن إصلاح شؤون النوع الإنسانى ضريبة تغنى عن ضريبة الذرية فى بعض الأحوال , فأين ترانا نجد تلك الضريبة فى أرفع حالة وأغلى قيمة إن لم نجدها فى رسالة نبوية تتناول الأجيال وتتناول الملايين فى كل جيل ؟ وأى أبوة روحانية تغنى عن أبوة اللحم والدم كما تغنى أبوة النبى الذى يتكفل بتربية الأرواح فى أمته , وفى أمم لا يلقاها فى زمانه , وأمم لا تزال تستجد بعد زمانه إلى أقصى الزمان ؟

     « نذكر هذا حين حظ محمد من الأبوة الروحية ومن الأبوة النوعية , ونرى تكافؤا فى الجانبين جديرًا بالملاحظة والاعتبار » .

*              *             *

    أضاف الأستاذ العقاد أنه أيضًا يذكر هذا حين وفاة الزهراء فى زهرة الشباب .. فى الثلاثين أو ما دون الثلاثين .

    ويلاحظ الأستاذ العقاد أن جميع الذكور من ذرية محمد ـ عليه السلام ـ ماتوا صغارًا لم يجاوزوا سن الرضاع , ومن عاش من ذريته من الإناث لم يرزقن بأطفال طول العمر , ومنهن من لم تُرزق قوة البنية فى عنفوان الشباب .

    والزهراء كانت نحيلة سمراء , يخالط لونها شحوب فى كثير من الأحيان , وقد قال لها النبى فى مرض وفاته إنها أسرع أهله لحوقًا به , فلم تمض ستة أشهر ـ وقيل أقل ـ حتى لحقت به فى تلك السن التى تستقبل فيها الحياة !

    وكان يلم بالزهراء ما تشكو منه , فيعودها النبى ليواسيها فى مرضها وفى حاجتها , وسألها مرة : « كيف تجدينك يا بنية ؟ » فقالت « إنى لوجعة » ثم قالت : « وإنه ليزيدنى أنى ما لى طعام آكله .. » , فاستصبر عليه الصلاة والسلام وقال لها : « يا بنية ! أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين ! »  .

    وزارها يومًا وهى تطحن بالرحى وعليها كساء خشن من وبر الإبل , فبكى وقال لها :
« تجرعى يا فاطمة مرارة الدنيا لنعيم الآخرة » .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *