فى مدينة العـقاد ـــ الحسين أبو الشهداء (9)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

همّة يزيد الوانية

 

     على أن اللافت أن يزيد رغم فرط ولعه بالطراد ، وهو الصيد والقنص والتسابق ، حين يكون الطراد لهوًا وفراغًا ـ كانت همته تفتر عن ذلك إذا تعلق الطراد بعزائم الفرسان فى ميادين القتال ، مهما كان ذلك دفاعًا عن دينه أو دنياه .

     عندما سَيَّر أبوه جيش « سفيان بن عوف » إلى القسطنطينية لغزو الروم والدفاع عن بلاد الإسلام ـ أو بلاد الدولة الأموية ـ تثاقل يزيد وتمارض حتى رحل الجيش ، وشاع هذا التخاذل وذاع ، حتى أقسم أبوه معاوية أن يلحقه بالجيش ليدرأ عنه عار هذا النكول والشماتة .

*       *       *

      ومن اللافت أيضًا ، أن يزيد لم يختص بمزية محمودة تقابل نظائرها من مزايا الحسين ، حتى فى خصال المصادفة التى لا فضل فيها لأحد ، كالميلاد والعمر ، فقد كان يزيد حين ولى الخلافة فى نحو الرابعة والثلاثين ، لم يمارس شيئًا مما يمارسه الرعاة ، بينما كان الحسين فى السابعة والخمسين ، عرك الحياة وعركته ، حيث شارك ـ فضلاً عما تلقاه من نبع النبوة ـ فى كل مشاهد أبيه من الجمل إلى صفين .

     كما أن يزيد لم يبز بوراثة مشروعة ، فما اصطنعه له أبوه من توريث ، كان بدعة خالفت مبادئ الإسلام وأعراف المسلمين  منذ بداية عهد الراشدين .

     ولم يكن معقولاً أن يرحب العرب فى صدر الإسلام بطاعة يزيد لأنه ابن معاوية ، بينما هم ومعاوية نفسه لم يوجبوا طاعة آل البيت فى أمر الخلافة لأنهم قرابة محمد عليه الصلاة والسلام ، بل وأساغ معاوية ومن جرى على هواه الخروج على الإمام على رغم القرابة القريبة ، فضلا عن السابقة المشهودة ، والبيعة الصحيحة الملزمة .

     وهكذا بدا من عجائب التاريخ ، أن تقيم بين ذينك الخصمين قضية تتضح فيه النزعة النفعية على نحو لم تتضح فيه بهذا القدر قط ، وقد كانت المقاييس الموضوعية توجب أن ينخذل يزيد كل الخذلان لولا النزعة النفعية التى أعانته رغم أنه غير صالح ، فضلاً عن تعارضها مع الإيمان ، وما شابها من الختل والتلبيس .

*       *       *

       هذا ولم يجار الأستاذ العقاد تشكك البعض فى إسلام ذلك الجيل من الأمويين ، فذلك تعميم لا يرتضيه ولم يقم عليه استدلال متفق عليه ، وأنه إذا كان الشك قد أحاط بصدق دين أبى سفيان لما بدر منه ، فإن معاوية كان يؤدى الفرائض ويتبرك بتراث النبى ويوصى أن تدفن معه أظافره التى حفظها إلى يوم وفاته .

     إنما هى الأثرة ، ثم الخرق فى السياسة ، ثم التمادى فى الخرق مع استثارة العناد والعداء كما يقول الأستاذ العقاد .. وفى تلك الأثرة ولواحقها ما يثير المقابلة من أحد طرفيها فى هذه الخصومة ، ويسترعى النظر فى شتى بواعثها بين ذينك الخصمين : المثالية ، والواقعية  .

     وكان الحسين ويزيد ، مثالان شاخصان للعيان للفارق بين النزعتين وبين بواعث كل طرف والآخر  .

رجال المعسكرين

 

      معدن رجال المعسكرين : الحسين ، ويزيد ، يشكل لب المأساة الدامية التى جرت فى كربلاء ، وآثارها المريعة التى لا زالت ناشبة فى التاريخ حتى يومنا هذا !!

     ويتلخص جوهر المقابلة ين فريقى الحسين ويزيد فى كلمتين : شهداء ، وجلادين !! أجمع من قابلوا الحسين فى طريقه إلى الكوفة ـ الفرزدق ومجمع بن عبيد العامرى وغيرهما ـ على وصف الحال بكلمات موجزة ولكنها آية فى الصدق والبلاغة . قالوا له :

     « قلوب الناس معك ، وسيوفهم مع بنى أمية » .

     أشراف الناس قد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم  ، فهم ألب واحد عليك ، أما سائر الناس بعدهم فإن قلوبهم تهوى إليك ، وسيوفهم غدًا مشهرة عليك .

     هذا هو جوهر حال الناس ، الأفئدة مع الحسين ، والسيوف وراء المنفعة ..نعمتهم فى دوام ملك بنى أمية !!

     أما الرؤساء ذوو المكانة الذين لم يُشْتروا بالمال أو بالوعود ، فقد كانوا ينصرون حُسَيْنًا ولا ينصرون الأمويين .. أو كانوا يصانعون الأمويين ولا يبلغوا بالمصانعة أن يشهروا الحرب على الحسين  .

     وقد كان من هؤلاء « هانئ بن عروة » من كبار زعماء كندة ، و« شريك بن الأعور » ، و « سليمان بن صرد الخزاعى » ، وهم من ذوى الشرف والدين ..

     بل وكان من العاملين لبنى أمية من يخزه ضميره إذا ما بلغ العداء للحسين أشده ، وربما ترك معسكر بنى أمية ليلوذ بمعسكر الحسين الذى كتب عليه الموت والبلاء .. ومن هؤلاء « الحر بن يزيد التميمى » الذى انتفض فى كربلاء حين عرف نوايا جيش يزيد أنهم لا يقنعون بحصار الحسين ، ويصممون على قتاله رافضين كل ما عرضه ، فترك « الحر » الجيش الأموى وذهب إلى أن اقترب من الحسين ، فقال له : « جعلت فداك يا ابن رسول الله ، أنا صاحبك حبستك عن الرجوع وجعجعت بك فى هذا المكان ، وما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضته عليهم ، ووالله لو علمت أنهم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبت مثل الذى ركبت ، وإنى تائب  إلى الله مما صنعت ، فهل ترى لى من توبة ؟! » .

     فقبل الحسين توبته ، وطفق الرجل يقاتل ويذود عن الحسين من ساعتها حتى قتل ، وآخر كلمة فاه بها لسانه وهو يجود بروحه : « السلام عليك يا أبا عبد الله ! »

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *