فى مدينة العـقاد ـــ الحسين أبو الشهداء (8)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

صفات الحسين

 

     تعلم الحسين فى صباه ، خير ما يتعلمه أبناء زمانه من فنون العلم والأدب والفروسية ، وتجد كثيرًا من المتصوفة وحكماء الدين يرفعون نصوصهم إليه ويردونها إلى الإمام علىّ رضى الله عنه .

    وقد أوتى ملكة الخطابة من طلاقة اللسان وحسن البيان ، وجمال الصوت والأداء .

    ومع أنه كان فى حضرة أبيه وهو ملك الفصاحة والبيان ، وآخرين من آل البيت ، إلاَّ أنه كان صاحب العبارات البليغة المواسية التى ودع بها أبا ذر الغفارى فى بداية رحلته إلى منفاه الذى نفاه إليه عثمان بن عفان فى صحراء الربذة ، فقال له : « يا عماه ! إن الله قادر أن يغير ما قد نرى . والله كل يوم فى شأن : وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك ، وما اغناك عما منعوك وأحوجهم إلى ما منعتهم . فاسأل الله الصبر والنصر ، واسْتعذْ به من الجزع والجشع ، فإن الصبر من الدين والكرم ، وأن الجشع لا يقدم رزقًا والجزع لا يؤخر أجلاً » .

     وكان الحسين يومئذ فى نحو الثلاثين من عمره ، ولكن كلماته هذه تكاد تكون قد حملت شعار حياته ، وما استشهد عليه فى كربلاء .

*       *       *

      وقد تواترت الروايات بقوله الشعر فى أغراض الحكمة ، وما نقل عنه ـ صحت نسبته إليه أم لم تصح ـ يعبر عن خلقه فى بيته وبين أهله ، فقد كان من أكثر الآباء حَدْبًا على الأبناء ، ومن أشد الأزواج عطفًا على النساء ، وقد حملت له زوجته الرباب كثيرًا من الحب وظلت تبكيه حزنًا حتى ماتت  .

 

خلق كريم

 

 

     استن الحسين سُنّة حميدة فى آداب الأسرة ، تليق بالبيت الذى نشأ فيه ، وتليق بكل بيت ينشد الإقتداء . فالحسين على فضله وذكائه وشجاعته ورجحانه على أخيه الحسن فى مناقب ومآثر كثيرة ، التزم بتوقيره كأخ أكبر وإطاعته ، وقد كان معارضًا للتسليم لمعاوية ، فلما غضب الحسن حتى إنه جابهه بعبارة ثقيلة ، لم يراجعه الحسين والتزم الطاعة والسكوت .

*       *       *

    ومن رعايته لسنن الأسرة ووصايا الأبوة ، أبى مساومة معاوية أن يسدد دينًا عليه لقاء عين « أبى بيزر » ، فأبى الحسين أن يبيعها رغم شدة حاجته ، لأن أباه تصدق بمائها على الفقراء .

     وكان وقورًا فى بيته ، ومع الناس ، فكانت له مهابة فى الناس عرفها عنه معاوية ، فوصفه لرجل ذاهب إلى المدينة بقوله : « إذا دخلت مسجد رسول الله فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير ، فتلك حلقة أبى عبد الله (الحسين) مؤتزرًا إلى أنصاف ساقيه » .

     ولم يذكر عنه قط أنه كان يؤذى الناس بتخطئتهم ، وإنما كان يعلّمهم ويبصرهم بشئون دينهم  .

     وما لم تكن هناك لجاجة أو مكابرة ، فإنه كان يحتال لتصحيح الخطأ بما لا غضاضة فيه على المخطئين .

*       *       *

       ويضيف الأستاذ العقاد أنه قد رويت الغرائب ـ التى سرد بعضها ـ فى اختبار حذقه بالفقه واللغة ، فقطعت كل منها بحذقه وعلمه وقوة بيانه ، وفى واحدة منها وكان لمّا يزل فى صباه ، قال عنه أعرابى « ما رأيت كاليوم أحسن من هذا الغلام كلامًا وأذرب لسانًا ، ولا أفصح منه منطقًا » .

   ولخبرته وعلمه ، كان كثير من الشعراء وغيرهم يفدون إليه للإصغاء والتلقى عنه ، وكان يبذل لهم من الجوائز لتشجيعهم ما وسعه البذل ، وكان يعطى ما يقدر عليه لمن يقصده من ذوى الحاجات ، ولا يخيب رجاء من يستعين به .

 

وفاء وشجاعة

 

   اشتهر الحسين ، فضلاً عن الجود ، بالوفاء والشجاعة ، ومن وفائه أنه أبى الخروج على معاوية بعد وفاة أخيه الحسن وفاءً لصلحه معه على المسالمة ، ورفض الانقياد لمن حرضوه للخروج عليه ، احترامًا منه للعهد والعقد .

    وشجاعة الحسين غير مستغربة منه ، فالشئ من معدنه كما يقال ، وهى فضيلة ورثها عن آبائه وأجداده ، وحضر مع أبيه وقائعه جميعًا من الجمل إلى صفين ، وليس من إنسان أشجع قلبًا مما أقدم عليه الحسين .

   ولم يكن نصيبه من الشجاعة الميراث وكفى ، وإنما تربى وتدرب على كل ما يؤهله منها ، فتعلم من الصغر فنون الفروسية والمصارعة والعدو ، ولم يفته شىء من الألعاب الرياضية فى مرانه ونشاطه .

    وكان يميل للفكاهة ويأنس فى أوقات راحته لأحاديث أشعب وأضاحيكه .

    وقد عاش بالحساب الهجرى 57 عامًا ، فلم ينكر أحد من خصومه وأعدائه ما ذاع من فضله ، حتى احتار معاوية نفسه بما عساه أن يعيبه به كما مَرَّ بنا .

 

خلق يزيد

 

    على النقيض من ذلك كان يزيد بن معاوية ، والواقع أن موقف يزيد بالنسبة لأخلاق الحسين ، هو موقف المقابلة والمناقضة ، لا موقف المقارنة والمعادلة فى معظم خلائقه وعاداته وملكاته وأعماله .

    ويزيد بن معاوية عريق النسب فى بنى عبد مناف ثم قريش ، والأصدقاء والخصوم متفقون على أن الفرع الذى ينتمى إليه من بنى عبد مناف ـ اشتهر بالأثرة ، وندر من الأمويين من اشتهر بخصلة تجلب لصاحبها ضررًا أو مشقة فى سبيل نفع الناس .

    ولا شك أن بيت أبى سفيان بيت سيادة مرعية

    ولكن معاوية بن أبى سفيان لم يرث شيئًا من هذه السيادة التى كان قوامها وفرة المال ، ذلك أن أبا سفيان أنفق معظم ماله فى محاربة الإسلام ، ولم يترك مالاً وفيرًا مع كثرة وارثيه ، فلم يرث معاوية شيئًا ذا بال ، وقد وُصَفِ بمناسبة تقدمه للزواج بأنه « صعلوك » !   

 

*         *            *

    وهناك حقيقةٌ أخرى يجب معرفتها ، أن معاوية لم يكن قط من كتاب الوحى ، وإنما كان كاتبًا بين يدى النبى عليه السلام ، فى عامة الحوائج ، ولم يقل أى ثقة إنه كتب للنبى شيئًا من آيات القرآن الكريم .

    وقد عُرِفت لمعاوية بعض خصال الجد والسيادة كالوقار والحلم والصبر والدهاء ، ولكنه كان لا يملك حلمه فى بعض فلتاته ، كالذى حدث من قتله « حجر بن عدى » وستة من أصحابه ، لا لشىء إلاَّ لأنهم كانوا يعترضون على سب الإمام علىّ من على المنابر ، وروى أن معاوية ظل طوال حياته إلى أن مات نادمًا على هذه الفعلة المنكرة ويقول : « ما قتلت أحدًا إلاَّ وأنا أعرف فيم قتلته ما خلا حجر ، فإنى لا أعرف بأى ذنب قتلته ! » .

    وقد كانت أم يزيد هى « ميسون بنت مجدل الكلابية » من كرائم بنى كلب المعرفات فى النسب ، ولكنها كرهت الإقامة مع معاوية فى دمشق ، فأرسلها معاوية ومعها ولدهما يزيد إلى البادية .

    وقد أفاد يزيد من هذه النشأة البدوية بعض أشياء ، إلاَّ أن أثر هذه النشأة لا يظهر إلاَّ فى الأقوياء ، ولم يستفد يزيد من البادية سوى بلاغة الفصحى وحب الصيد وركوب الخيل ورياضة الحيوانات ، فانصرفت به هذه وتلك إلى الإغراق فى اللهو والولع بالفراغ ، وانقلبت تلك الصفات فيه من المزية إلى النقيصة ، فصار إلى كلفه بالشعر الفصيح مغريًا له ليس فقط بمنادمة الشعراء ، وإنما بمنادمة مجالس الشراب ، والصيد الذى يصرفه عن شواغل الملك والسياسة ، وصارت رياضة الحيوانات لديه مهزلة تلحقه بالفهادين والقرداين ، وكان مغرمًا بقردٍ لديه يدعوه « أبا قيس » يلبسه الحرير ويطرز لباسه بالذهب ويركبه أتانًا فى السباق ويحرص على أن يراه سابقًا على الجياد .

    وأجمعت الروايات على إدمانه الخمر ، وشغفه باللذات ، وقد مات بداء الجنب ولم يتجاوز السابعة والثلاثين ، ولعل السبب إصابة فى الكبد من إدمان الشراب والإفراط فى اللذات . 

    وليس معقولاً أن يكون هذه كله اختلاقًا ، فلم يُذكر مثله أو أقل عن أبيه أو عن عمرو بن العاص رغم أنهما بغيضان أشد البغض لأعداء الأمويين ، بل إن الذين حاولوا ستره من خدام دولته لم يحاولوا الثناء على مناقب فيه تحل عندهم محل مساوئه وعيوبه ، أو تقابل مناقب الحسين بن علىّ .         

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *