فى مدينة العـقاد (مقال الخميس 28/9/2017) (556) ـــ الحسين أبو الشهداء (7)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

اختلاف النشأة

 

     بَوْنٌ شاسع جدًّا فى اختلاف النشأة بين الحسين ويزيد ، بل ولا مجال قط لأى مقارنة بينهما ..

    فقد كان بنو هاشم يعملون فى الرئاسة الدينية ، وعمل بنو أمية فى التجارة أو الرئاسة السياسية .. على ما كان فيه بنو أمية فى الجاهلية من الربا والمماكسة (نقص الثمن فى البيع ) ، والغبن والتطفيف والتزييف .

    فلا عجب أن يختلف بنو هاشم وبنو أمية بين أخلاق الصراحة والأريحية ، وأخلاق المساومة والمنفعة .

    واتسمت أخلاق الرئاسة فى الهاشميين بسمة الدين والأخلاق .  

    واتسمت الأخلاق فى الأمويين بسمت المنفعة واغتنام الفرصة .

    وقد تعجب حين ترى فى ذرية الطالبيين من أبناء الزهراء ، من جاء بعد مائة سنة وأربعمائة سنة حاملاً ذات الخصال وعادات الأصل الذى تفرع عنه .. طبعٌ صريح ، ولسانٌ فصيح ، ومتانةٌ فى الخلق ، ونخوةٌ لا تبالى بما يفوتها من النفع ما دامت على سنة المروءة والإباء ..

    بَيْنَ يحيى بن عمر ، إلى علىّ بن أبى طالب ، خمسة أو ستة أجيال ، ومع ذلك تجد فى وصف يحيى بن عمر صورة مصغرة للإمام علىّ وقيمه وطبائعه وخلقه .. يشهد على ذلك ما جاء بكتاب الأغانى لأبى الفرج الأصفهانى الكاتب الأموى من أوصاف ليحيى نقلها عنه الأستاذ العقاد تؤكد صحة هذا الاستخلاص .

    وقد استشهد يحيى بن عمر فى قصة طويلة ، نكتفى بالإشارة إلى ما استشهد به الأستاذ العقاد فى ختامها من جيمية ابن الرومى الطويلة المشهورة فى وصف قتاله ومقتله .

    وعَقَّب بعد ما اختاره من أبياتها ، بأن ابن الرومى أصاب الوصف والتعليل ، فما كان يحيى بن عمر ولا أسلافه إلاَّ عليًّا الصغير يتأسى بعلىٍّ الكبير ، أو غصنًا زكيًّا يخرج من دوحته الكبرى .      

*         *         *

    ولم يكن لبنى أمية ـ على النقيض ـ نصيب ملحوظ من الخلائق المثالية والشمائل
الدينية .

    ولم يكن ظهور النبوة فى أسرةٍ منافسةٍ لأسرتهم ـ داعيًا لهم من شأنه تعزيز المناقب فيهم ، بل لعله كان من شأنه أن جمح بهم ـ من طرف خفى ـ إلى النقيض وإلى ما يعارض هذه الصفات .

    ويرى الأستاذ العقاد أن الحسين بن علىّ ويزيد بن معاوية قد تقابلا فى تمثيل الأسرتين ، كما تقابلا فى كثير من الخلائق والخطوط .. ولكنهما تفاوتا فى تمثيل أسرتيهما كما تفاوتا فى غير ذلك من وجوه الاختلاف بينهما ..

    كان الحسين نموذجًا لأفضل المزايا الهاشمية ..

    ولم يكن يزيد نموذجًا لأفضل المزايا الأموية ، بل كان ينطوى على كثير من عيوب أسرته ، ولم يكن له من مناقبها المحمودة إلاَّ القليل ..

    فإذا ما أردنا أن نجتزئ بما يملأ كفتى الميزان ، وجدنا الفارق واضحًا جليًا بين الأريحية والنفعية فى حادث كبير من حوادث التاريخ العربى .

  

مكانة الحسين

 

    إن المؤرخ الذى يتصدى للكتابة عن هذا الحادث ، قد يكون عربيًا مسلمًا وقد لا يكون ، وقد يؤمن بمحمد أو ينكره وقد ينكر غيره من الأنبياء .

    إلاَّ أن المؤرخ أيًّا كان اتجاهه أو هواه ـ يخطئ دلالة الحوادث التاريخية إذا استخف بالمزية التى سلف أنها كانت أحق مزايا الحسين بالتوكيد فى الصراع بينه وبين يزيد !

    فليس المهم أن يؤمن المؤرخ أو لا يؤمن بقيمة ذلك النسب الشريف فى النفوس ، لأن أتباع يزيد أنفسهم كانوا يؤمنون بحق ذلك النسب الشريف فى الرعاية والمحبة ، ومع ذلك غلبتهم منافعهم ـ أو مآربهم إن شئت ـ على شعورهم هذا فانضموا إلى يزيد !

    ولولا هذه المزية فى الحسين ، التى أقر بها محاربوه ، لما وضح الصراع بين الأريحية والنفعية عند الفريقين ، ولما كان للمعركة ونهايتها ـ أو مأساتها ـ هذه العواقب والدلالات التى كشفت النفس الإنسانية وما يتنازعها على الجانبين !

 

*         *         *

 

    لقد كان الحسين بن علىّ بهذه المزية ، أحب إنسان إلى قلوب المسلمين ، وأجدر إنسان أن تنعطف إليه القلوب .

    وقد كان الرسول عليه السلام هو الذى سماه « حسينًا » كما سمى أخوه « حسنًا » ، بعد أن كان الاختيار قد وقع فى كل مرة على اسم « حرب » .

    وقد ذهب إلى الحسين وأخيه الحسن كل ما فى فؤاد النبى عليه السلام من محبة البنين ، فكان عليه السلام لا يطيق أذاهما ، ولا يحب أن يسمع بكاءً لهما فى طفولتهما ، ويوم سمع وهو مار ببيت فاطمة فى طريقة إلى المسجد ـ بكاء الحسين ، توقف ليقول لأم أبيها : « ألم تعلمى أن بكاءه يؤذينى ؟! » .

    وكان يقول لفاطمة « ادعى إلىّ ابنى » .. فيشمهما ويضمهما إليه ، ولا يبرح حتى يضحكهما ويتركهما ضاحكين .

    وخرج النبى عليه السلام ليلة فى إحدى صلاتى العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا ، فوضعه ثم كبر للصلاة فأطال سجدة الصلاة ، قال راوى الحديث : « فرفعت رأسى فإذا الصبى على ظهر رسول الله وهو ساجد فرجعت إلى سجودى ، فلما قضى الصلاة قيل يا رسول الله : إنك سجدت بين ظهرى صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو يوحى إليك .. »  قال : « كل ذلك لم يكن .. ولكن ابنى ارتحلنى فكرهت أن أعجله .. »

    وقام عليه الصلاة والسلام يخطب المسلمين ، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويتعثران .. فنزل عليه السلام من المنبر ، فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال : « صدق الله ! .. ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) .. نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثى ورفعتهما »

   

*         *         *

 

    هذا ولا يوجد قديمًا وحديثًا ، من يحب نبيه هذا الحب الذى أحبه المسلمون لنبيهم ، ثم يصغر عنده هذا الحنان الذى غمر به سبطيه وأحب الناس إليه .

    ولقد كانت حقيقة الحسين الشخصية ، كفؤًا للصورة الرمزية التى نسجت حوله ،  فكان ملء العين والقلب فى خلقته وخلقه ، وكانت فيه مشابهة من جده لأبيه ، إلاَّ أنه كان فى حزمه وشدته أقرب إلى أبيه .. وكان علىّ يقول : « أشبه أهلى بى الحسين » ، واتفق بعض الثقات على أن الحسن غلب عليه ـ كجده ـ الحلم والأناة ، وأن الحسين غلب عليه ـ كأبيه ـ الشدة والحزم .   

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *