فى مدينة العـقاد ـــ الحسين أبو الشهداء (6)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

فارق فى الخليقة

وسبب للمزيد من النفرة

     اخترت هذا العنوان ، بديلاً من عنوان « زواج الحسين » ـ الوارد بالكتاب ، وظنى أن
ما اخترته أليق للتعريف بهذه القضية ، لأنها لم تكن زواج الحسين ، وإنما كانت تخليصًا قام به بأريحية من عقابيل تطليق لامرأة حُضّ زوجها على تطليقها بتدبير معاوية على وعد تزويجه بابنته ، لتصفو الظليمة المطلقة ليزيد بن معاوية الذى هام بها حبًّا أمرضه .

   بيد أن الحسين لم يرضه ذلك ، فتقدم للمطلقة فتزوجها ، لا ليستبقيها بل ليحميها ويردها إلى زوجها ابن عمها الذى سقط فى حبال المؤامرة فطلقها وكانت من أجمل نساء عصرها.

     كانت المرأة زوجة لابن عمها « عبد الله بن سلام » والى معاوية على الشام ، فهام بها يزيد حبًّا أمرضه ، فأراد أبوه أن يستخلصها له من زوجها ، فدس إليه من يمنّيه بأن لمعاوية « ابنة » يريد زواجها ، وأنه لا يرى كفئًا لها سوى « ابن سلام » لدينه وفضله وشرفه ، فضلاً عن رغبة معاوية فى تكريمه وتقريبه .

     خُدع عبد الله بن سلام بما بلغه ، والتقط الطعم ، فتقدم إلى معاوية فى خطبة ابنته ، فقيل له إنه بالرجوع إلى الفتاة لمعرفة جوابها ، قالت إنها لا تكره ما اختاروه ، ولكنها تخشى أن يكون لزوجها زوجة أخرى وتشفق أن يسوقها ذلك إلى ما يغضب الله .

     والتقط ابن سلام الطعم للمرة الثانية ، وطلق زوجته قبل أن يفاجأ برفض خطبته لابنة معاوية لأنها تتوجس من رجل يطلق زوجته بلا سبب وهى ابنة عمه وأجمل نساء عصرها .

*       *       *

      وقد قيل إن الحسين سمع بهذه المكيدة ، فتقدم فى خطبة المطلقة «زينب بنت اسحق» ، فلم تجد مجالاً للمقارنة بينه وبين يزيد الذى تقدم لخطبتها بعد نجاح المكيدة ، فاختارت الحسين ، وقالت « لا أختار على الحسين بن علىّ أحدًا وهو ريحانة النبى وسيد شباب أهل الجنة » .

      وقيل إن معاوية حين بلغه الأمر ، قال مغيظًا :

  أنعمى أم خالد                رب ساع لقاعد

    ولم يلبث الحسين أن ردَّ زينب إلى زوجها قائلا : « ما أدخلتها بيتى وتحت نكاحى
( زواجى ) رغبةً فى مالها أو جمالها ، ولكن أردت إحلالها لبعلها » أى ردها حلالاً إلى زوجها الذى انخدع بالمكيدة وطلقها .

     ويعقب الأستاذ العقاد بأنه إنْ صحت هذه القصة ، وهى متواترة فى تواريخ الثقات ، فإنها قد زادت النفرة والخصومة بين الحسين ويزيد ، وكان قيام يزيد على الخلافة يوم فصل فى هذه الخصومة ، لا يقبل الإرجاء  .

 

موازنة

 

      أرجأ الأستاذ العقاد ما بدأ به هذا الفصل من إشارة لبيتين للمقريزى لخص فيهما المنافسة بين الهاشميين والأمويين ـ إلى فصل لاحق يعرض فيه المقابلة المتسلسلة بين أفراد الأسرتين .

      ويجتزئ هنا بالمقابلة بين الخصمين المتصاولين من هاشم وعبد شمس ، فى شخص الحسين ويزيد .. مبادرًا بإبداء أنه أيًّا كان الميزان ، فإنه لا مراء البتة فيمن تنعقد له الأفضلية فى هذا الميزان  ..

    فما من رجل فاز حيث ينبغى أن يخيب ، كما فاز يزيد فى حربه للحسين .

    وما اختصم رجلان كان أحدهما أوضح حقًّا وأظهر فضلاً من الحسين فى خصومته
ليزيد .

   والموازنة بين هذين الخصمين ، فيما يضيف الأستاذ العقاد ، هى فى بعض وجوهها موازنة بين الهاشميين والأمويين . 

     وعلى مدار سبعة قرون لم يظهر أموى قح ، إلاّ ظهرت فيه الخلال الأموية المعهودة فى القبيلة بأسرها  .

     ولم يظهر فيها هاشمى قح ، إلاَّ كانت فيه ملامح من الخلال الهاشمية التى بلغت مَثَلَها الأعلى فى محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام .

     نعم ، الهاشميون والأمويون من « أرومة » واحدة ترتفع إلى عبد مناف .

    ولكن الأسرتين تختلفان فى الأخلاق والأمزجة .

     فبنو هاشم فى الأغلب الأعم ـ مثاليون أريحيون ، سيّما أبناء فاطمة الزهراء .

     وبنو أمية فى الأغلب الأعم عمليون نفعيون .

     ولا غرابة فى ذلك مع وحدة الأرومة ، فقد يختلف الأخوان فى البيت الواحد فى الأخلاق والمشارب والأعمال  .

*       *       *

      ومن الثابت أن عبد المطلب وأمية كانا يختلفان .. حتى فى الصورة والقامة والملامح ..

     ويورد الأستاذ العقاد أن نسل أمية فيه شبهة يشير إليها ولا يزيد ، فهى محل الإشارة والمراجعة فى هذا المقام ..

     دخل دغفل النسابة على معاوية فقال له : « من رأيت من علية قريش ؟ » . فقال دغفل : « رأيت عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس » . فقال معاوية : « صفهما لى » فقال : « كان عبد المطلب أبيض ، مديد القامة ، حسن الوجه ، فى جبينه نور النبوة وعز الملك ، يطيف به عشرة من بنيه كأنهم أسد غاب » . قال : « فصف أمية » . قال : « رأيته شيخًا قصيرًا ، نحيف الجسم ضريرًا ، يقوده عبده ذكوان » . فقال معاوية : « مه ! ..ذاك ابنه أبو عمرو » ، فقال دغفل : « ذلك شىء قلتموه بعد وأحدثتموه .. وأما الذى عرفت فهو الذى أخبرتك به » .

     وذكر الهيثم بن عدى فى كتاب المثالب أن أبا عمرو ابن أمية كان عبدًا لأمية اسمه ذكوان فاستلحقه ، ونقل أبو الفرج الأصبهانى ـ وهو من الأمويين ـ ما تقد فلم يعرض له بتفنيد ..

     ووضح الفرق بين بنى هاشم وبنى أمية فى الخلائق والمناقب فى الجاهلية قبل
الإسلام . فكان الهاشميون سراعًا إلى النجدة ونصرة الحق والتعاون عليه .. ولم يكن
بنو أمية كذلك .. فتخلفوا عن حلف الفضول الذى نهض به بنو هاشم وحلفاؤهم ، وهو الحلف الذى اتفق فيه نخبة من رؤساء قريش « ليكونن مع المظلوم حتى يؤدوا إليه حقه ، وليأخذن أنفسهم بالتآسى فى المعاش والتساهم فى المال ، وليمنعن القوى من ظلم الضعيف والقاطن من عنف الغريب » ، واتفقوا على هذا الحلف لأن العاص بن وائل اشترى بضاعة من رجل زبيدى ولواه بثمنها ، فنصروا الرجل الغريب على القرشى وأعطوه حقه ..

      ولما تنافر عبد المطلب وحرب بن أمية إلى نفيل بن عدى ـ قضى لعبد المطلب وقال لحرب :

أبوك معاهر وأبوه عف             وذاد الفيل عن بلد حرام

     يشير بذلك إلى فيل أبرهة الذى أغار به على مكة . وقال عن أمية إنه « معاهر » لأنه كان يتعرض للنساء ، وقد ضرب بالسيف مرة لأنه تعرض لامرأة من بنى زهرة ، وكان له تصرف عجيب فى علاقات الزواج والبنوة ، فاستلحق عبده ذكوان وزوجه امرأته فى حياته ، ولم يعرف سيد من سادات الجاهلية قط صنع هذا الصنيع !

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *