فى مدينة العـقاد ـــ الحسين أبو الشهداء (5)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

انتزاع البيعة ليزيد

     أعيت سعيد بن العاص كل حيلة فى إقناع وجهاء الناس بالحجاز ، وعامتهم ـ بهذه البيعة البغيضة ليزيد بن معاوية .

     واقتضى الأمر أن ينتقل معاوية بنفسه إلى مكة ، حاملاً حقائب الأموال ومعه جند
الشام المؤتمرون بأوامره .

     وفى مكة دعا بأولئك النفر الكبار من أبناء الصحابة ، فأراد فى البداية أن يستميلهم فقال لهم : « لقد علمتم سيرتى فيكم وصلتى لأرحامكم . يزيد أخوكم وابن عمكم ، وأردت أن تقدموا يزيد باسم الخلافة وتكونوا أنتم تعزلون وتُؤَمِّرُون وتجبون المال وتقسمونه » .

     ولا يفوت أى بصير ، أن وسيلة معاوية كانت الإغراء بالاستمتاع ببعض مظاهر السلطة ، وكأن الأمر أمر عزلٍ وولايةٍ وتأمير ، وجبايةٍ وتوزيع .

     لم يلتفت أبناء الصحابة الأبرار إلى هذه الإغراءات ، وأجابه عبد الله بن الزبير وخَيَّره بين أن يصنع كما صنع الرسول إذْ لم يستخلف أحدًا ، أو كما صنع أبو بكر إذ عهد إلى رجل ليس من بنى أبيه ، أو كما صنع عمر إذْ جعل الأمر شورى فى ستة نفر ليس فيهم أحدٌ من ولده ولا من ولد أبيه .. ناهيك بأنهم كانوا أجلّة الصحابة والباقين من العشرة المبشرين بالجنة ..   

     لم يملك معاوية نفسه ، فقال مغضبًا  : « هل عندك غير هذا ؟ »

      قال : لا

     والتفت معاوية إلى الآخرين يسألهم ، فوافقوا ابن الزبير ..

     هنالك انطلق معاوية ينذر ، فقال متوعدًا : « أعذر من أنذر ! .. إنى كنت أخطب فيكم فيقوم القائم منكم فيكذبنى على رؤوس الأشهاد فأحمل ذلك وأصفح .. فأقسم بالله لئن رد أحدكم كلمة فى مقامى هذا ، لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه ، فلا يبقين رجل إلاّ على نفسه »  .

     ثم أمر قائد حرسه أن يقيم على رأس كل منهم رجلين مع كل منهما سيفه ، وقال له : « إنْ ذهب رجل منهم يرد علىّ كلمةً بتصديقٍ أو تكذيبٍ ، فليضرباه بسيفيهما » . ثم إنه خرج بهم إلى المسجد ، ورقى المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه وقال :

     « هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم ( وهو لم يجعل لهم خيارًا !!! )  لا يبرم أمر دونهم ولا يقضى إلاَّ على مشورتهم ، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد فبايعوه على اسم الله » .. فبايع الناس .

      وفارق معاوية دنياه وهو يعلم أن هذه البيعة لا تجوز ولا تؤمن عقباها .. فأوصى ابنه كما مر بنا فى كتاب « معاوية فى الميزان » ـ  أوصاه بأنه لا يخاف عليه من قريش إلاَّ هؤلاء : الحسين بن علىّ ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وقال له عن عبد الله بن عمر بأنه قد وقذته العبادة وإذا لم يبق أحدٌ غيره بايعه ، وأما الحسين فيحسب أن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه ، فإن ظفر به فليصفح عنه ، فإن له رحمًا ماسة وحقًّا عظيمًا .. وسوف نرى ما فعله يزيد وأعوانه بالحسين  .

     أما عبد الله بن الزبير ، فقد وصفه معاوية بأنه خب ضب ، فإذا أمكنته فرصة وثب ، فإن هو فعلها وقدر عليه فليقطعه إربًا إربًا إلاَّ أن يلتمس منه صلحًا ، فإن فعل فليقبله حقنًا للدماء ..

خلافة يزيد

     وآل الأمر إلى يزيد على هذا النحو البغيض بموت معاوية سنة 60 هـ ، ويزيد بين الرابعة والثلاثين والخامسة والثلاثين ، وهو دون من كانوا حول أبيه فى الخبرة وتجارب الأيام ، فكان أول ما فعله أن كتب إلى عامله بالمدينة « الوليد بن عتبة بن أبى سفيان » ـ « أن خذ حسينًا وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ـ بالبيعة أخذًا شديدًا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا ! » .

     فبعث الوليد إلى مروان بن الحكم يشاوره ، فأشار عليه أن يستدعيهم ، وقال : « فأما ابن عمر فلا أراه يرى القتال ، ولكن عليك بالحسين وعبد الله بن الزبير ، فإنْ بايعا وإلاَّ اضرب أعناقهما » .

     ويحسب الأستاذ العقاد ونحسب معه ـ أن مروان أراد بهذه المشورة البغيضة أن يتخلص ( لنفسه ) من المنافسين ، ثم من يزيد نفسه الذى لا بد ستؤدى هذه الفعلة المنكرة إلى إيغار الصدور عليه ونهاية أمره .

     وقد ذهب رسول الوليد إلى الحسين وابن الزبير فوجدهما فى المسجد ، وعلم الحسين ما يراد ، فتذرع بأن مثلهم لا يبايع سرًّا ، واقترح أن يدعوهم إلى البيعة حين يخرج الناس للصلاة ، ثم انصرف ، ومروان غاضب صامت يكتم غضبه ، حتى إذا ما انفرد بالوليد صاح به  : « عصيتنى ! والله لا قدرت منه على مثلها أبدًا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ».

     بيد أن الوليد أنكر عليه هذه اللجاجة ، وقال له : « أتشير علىّ بقتل الحسين ! والله إن الذى يحاسب بدم الحسين يوم القيامة لخفيف الوزن عند الله » .

*         *         *

 

    وهكذا انتهت المنافسة ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ إلى مفترق طريق لا سبيل فيه إلى توفيق .

    وجدير بالذكر أن بنى أمية انتفعوا من محاربة الإسلام للعصبية فى تعزيز عصبيتهم ، فاتخذوا من موقف الإسلام حجة على أنه لا يحصر الأمر بعد النبوة فى بنى هاشم ، وهم ضامنون أنهم باستبعاد بنى هاشم بهذه الحجة ، يصيرون هم أقوى المنتفعين من بطون عبد مناف !

    ومن اللافت أن معاوية جمع فى عهده بين النقيضين ، فكان يدرأ عن نسفه المظنة بحسن معاملة آل البيت وأبناء علىّ ، فى الوقت الذى أمر بلعن علىٍّ نفسه على المنابر بقالة إنه المسئول عن تفرقة كلمة المسلمين ، عساه يستطيع بذلك أن ينال من مكانة علىّ ، دون أن يتفطن إلى أن ذلك أدى إلى عكس مراده ، فما زاد لعنه عليًّا على المنابر ، إلاَّ من حب عامة المسلمين له وتعاطفهم معه ، وأفقد معاوية كثيرًا مما ظن أنه يوطد به الأمر لنفسه ، غير ملتفت إلى أن السكوت على مضض لا يعنى الموافقة على هذه الجريمة النكراء التى تتجنى على شخصية كشخصية الإمام ، لها كل التقدير بين المسلمين ، فضلا عن السابقة والقرابة ، والورع والتقوى والاستقامة .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *