فى مدينة العـقاد ـــ الحسين أبو الشهداء (4)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

النبى عليه السلام

ومحاولة تألف أبى سفيان

 

    وقد بذل النبى عليه السلام قصارى جهده لمداواة أبى سفيان ، وتخليصه مما فى نفسه ، فراضاه يوم فتح مكة بأن أضاف بيته إلى ديار الأمان ، فقال إن من دخل بيته فهو آمن ، وأقامه عليه الصلاة والسلام على رأس المؤلفة قلوبهم الذين يزاد لهم فى العطاء عسى أن يذهب ما يضمرونه فى نفوسهم من كراهة للإسلام .

   ومن قبلها ، استقبل أبو سفيان زواج النبى من ابنته « أم حبيبة » استقبال الناقم الكظيم ، ولم يخف ذلك فى عبارته !

    وقد فهم المسلمون طويته ، فكانوا يوجسون منه ولا يجالسونه ، حتى برم أبو سفيان بذلك والتمس من النبى أن يمسح ما فى صدورهم بأن يجعل معاوية كاتبًا بين يديه ، وأن يأمره بقتال الكفار كما كان يقاتل المسلمين ..

    وقد حاول أبو سفيان أن يشعل الفتنه يوم وفاة النبى عليه الصلاة والسلام ، واختلاف المهاجرين والأنصار فى سقيفة بنى ساعدة ، فلما اتجه المسلمون إلى أبى بكر ، أصطنع الغضب لبنى هاشم ، وذهب محرضًا « علىّ » و « العباس » وإثارتهما للاعتراض ، عارضًا خدماته وعونه ، فنادى بهما : « ما بال هذا الأمر فى أذل قبيلة من قريش وأقلها ؟ والله
لو شئت لأملأنّها عليه
ـ على أبى بكر ـ خيلاً ورجلاً وآخذنّها عليه من أقطارها » .

*         *         *

    والذى لا ريب فيه أن غضبه هذا مصطنع ، ولم يكن غضبًا لبنى هاشم التى نَفَس عليها النبوة ذاتها ، ولا كان يسرّه أن تذهب الخلافة إليهم بعد النبوة ، إنما هو أراد وقيعة وخلافًا يمكن أن يجد متنفسًا فيه لزعامةٍ أموية .

    ولم يخف غرضه على « علىّ » رضى الله عنه ، فرده عن هذا قائلاً : « لا والله ، لا أريد أن تملأها عليه خيلاً ورجلاً ، ولولا أننا رأينا أبا بكر لذلك أهلاً ما خليناه وإياها » . ثم عاتبه فيما يشبه التأنيب قائلاً له : « يا أبا سفيان ! إن المؤمنين قوم نصحة بعضهم لبعض ، وإن المنافقين غششة بعضهم لبعض .. متخاونون وإنْ قربت ديارهم وأبدانهم » .

 

العودة للسعى الأموى

فى خلافة عثمان

 

    لم تكن خلافة الصديق ثم الفاروق ، لتسمح للطامع بالسعى فيما يريد ، فلما قامت خلافة عثمان بن عفان ، عدها الأمويون انتصارًا لهم ، لأن عثمان رأس من رؤوسهم وابن عم قريب لزعماء بيوتهم .   

    نظروا للدولة الإسلامية باعتبارها دولة أموية مقصورة بخيراتها وولاياتها على الأمويين ، وصار الأموى مروان بن الحكم الوزير الأول للخليفة ، فجعل يغدق العطايا على الأقارب ويحبسها عن سائر الناس . بينما معاوية الوالى على الشام يرسخ لنفسه ويوسع عليها بأن يكون أميرًا على كل الشام ، ومنحه عثمان ذلك فأخذ يجتذب الأقرباء والأولياء وكل من يأنس أو يرجو أن يجد منه العون ، وكذا كل من يريد أن يأمن منه الخلاف !

    وعندما قُتل عثمان رضى الله عنه ، كان المنتفعون بمناصب الدولة وأموالها جميعًا من الأمويين أو من صنائعهم المقربين ، ومن ثم مال السلطان إلى جانب أمية إزاء أى جانب آخر من القرشيين ومن غيرهم .       

    وقد رأينا فى كتاب عبقرية الإمام , وفى كتاب معاوية فى الميزان , كيف كان الصراع معروف النهاية من مطلع البداية , وكيف أدى مقتل الإمام علىّ غيلةً , إلى خلوص الخلافة لمعاوية بن أبى سفيان .

    ثم كان من مبايعة أهل العراق وفارس للحسن بن علىّ , وضيقة من جدال ولجاجة وتخذيل من حوله , فأثر حقن دماء المسلمين , وصالح معاوية على شروط أهمها أن يترك الأمر من بعده لاختيار المسلمين , إلاَّ أن معاوية نكص عن كل ذلك , ويقال إنه أغرى زوجة الحسن « جعدة بنت الأشعث بن قيس » بأن تدس السم لزوجها , موعودة بمال وزواج من يزيد , فلما مات الحسن , وَفَّى بوعد المال وتراجع عن وعد الزواج !

    وكان الحسن قد أوصى أن يدفن رضى الله عنه ـ عند قبر جده إلاًَّ أن تُخْشى فتنة , فلما شرعوا فى دفنه حيث أوصى , خرج مروان بن الحكم وجمع من بنى أمية وزمرتهم ومنعوا مشيعيه من دفنه ..

   وقد أنكر عليهم الحسين ذلك , وتعسفهم فى منع سبط النبى أن يُدفن إلى جوار جده , فقيل له إن أخاه قد قال : « إذا خفتم الفتنة ففى مقابر المسلمين سعة » .. وأضافوا إن هذه فتنة , فسكت الحسين مرغَمًا على مضض !

 

أهداف معاوية

 

    ظهر من مجريات الحوادث , أن معاوية أضمر أن يجعل الخلافة من بعده فى ذريته , إلاَّ أنه كان يتردد ويتحسب فى الإفصاح عن نيته , فلكا كبرت سنه وخاف أن يفوته قصده , طفق يمهد لبيعة ابنه يزيد بعض التمهيد , فلباه أهل الشام حيث كان سلطانه ونفوذه , وبايعوا , فكتب معاوية بهذه البيعة إلى الآفاق , ثم جعل ينظر إلى همه الأكبر فى الحجاز , فكتب إلى مروان بن الحكم عامله هناك لأخذ البيعة لابنه يزيد , إلاَّ أن مروان أبَى , وأغرى رؤوس قريش بالإباء , والظن انه فعل ذلك لأنه كان يطمع فى الخلافة لنفسه بعد معاوية , ويرى أنه أقدر عليها من يزيد المشهور بنقصه وعبثه ولهوه .. إلاَّ أن معاوية لم يسكت على موقفه فعزله , وولى مكانه على الحجاز : سعيد بن العاص , ولكن أحدًا لم يجبه إلى ما أراد , فكتب معاوية إلى عبد الله بن عباس , وعبد الله بن الزبير , وعبد الله بن جعفر بن أبى طالب , والحسين بن علىّ , وأمر عامله سعيدًا أن يوصل كتبه إليهم ويبعث إليه بأجوبتهم .. موصيًا إياه بأن يشد عزيمته , ويستعين بالرفق , موصيًا بالحسين خاصة ألاَّ يناله منه مكروه ( ولعل هذه من انتحال الأمويين ) , فإن له قرابة وحقًّا عظيمًا لا ينكره مسلم ولا مسلمة .. وهو ليث عرين , وليس يطمئن إن ساوره أن يقوى عليه .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *