فى مدينة العقاد ـ الحسين أبو الشهداء (3)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

أريحية الحسين

وآل البيت

 

      من الراجح أن الحسين وشيعته لو استباحوا الأساليب والوسائل التى استباحها يزيد وأعوانه ، لكان وشيكًا أن يبلغوا مقصدهم .

    آية ذلك أن « هانئ بن عروة » ـ شيخ قبيلة كندة بما لها من انتشاره وعدة وعدد وقوة ، كان من أنصار الحسين وأبيه الإمام ، وكانت كندة كلها تطيعه وتلبيه ، حتى قيل إنه « إذا صرخ لبّاه منهم ألف سيف » ، فزاره عبيد الله بن زياد بن أبيه ليعوده فى بعض مرضه ويتألفه ويستميله إليه  .

     وكان ذلك محالاً ، والمهم أن شيخ كندة عَرَض على « مسلم بن عقيل بن أبى طالب » ، ابن عم الحسين ـ عَرَض عليه أن يقتل عبيد الله بن زياد وهو عنده ، فأبى مسلم قتل ابن زياد غيلة ، ورفض ما عرضه عليه شيخ كندة ، وفعل ذلك وابن زياد يتعقبه ويطلبه ويتعقبه جنوده وأهدروا دمه وأجزلوا الوعود لمن يسلمه أو يدل عليه .

     وقال مسلم بن عقيل بن أبى طالب معتذرًا عن الاستجابة إلى عرض شيخ كندة :
«
إنَّا أهل بيت نكره الغدر » ، ولو قبل مسلم وبَطَشَ بابن زياد لنجا من إهدار دمه ، ولبَطَشَ يومئذ بأكبر أعوان يزيد بن معاوية .

     وربما صح أن يقال إن قتل ابن زياد كان صوابًا لازمًا أو راجحًا .. وإن التحرج من قتله غدرًا كان من الوجهة السياسية خطأً فادحًا  .

     ولكن الذى لا شك فيه أن هذا الصواب كان صوابًا معيبًا وسهلاً يستطيعه كل نَهَّاز ، وأن هذا الخطأ ـ إن كان ـ كان هو الخطأ الصعب الذى لا يستطيعه إلاَّ القليلون !

 

أريحية الإيمان

 

    ولا مراء أن الأريحية التى سمت إليها طبائع الحسين وأنصاره ، إنما هى أريحية
الإيمان .

     أما الذين يجعلون المنفعة قبلةَ أو باعثَ الإنسان إلى جميع أغراضه وأعماله ، فإنهم ينسون أن المنفعة وحدها لن تفسر حتى الغرائز الحيوانية التى يصاب من جرائها الفرد طوعًا أو كرهًا فى خدمة نوعه  ..

     إن يزيد وأعوانه التزموا المنفعة وطلبوها فى كل سبيل لأنهم لا يملكون عزيمة الإيمان ونخوة العقيدة ،  ولا يملكون تلك القوة الخلقية التى يتغلبون بها على رهبة الموت أو ضياع الغرض الذى ينشدونه !!

     ولولا هذه الفوارق لمضى الناس جميعًا على سُنةٍ واحدة فى الأريحية والفداء ، وإنما مرجع الأمر إلى الفرق الواضح بين طبائع الأريحيين وطبائع النفعيين  ..

*      *      *

     يقول الشانئون إن الأريحية فى نفوس أنصار الحسين كانت لأفراد معدودين ثبتوا معه ولم يخذلوه إلى يومه الأخير  .

    ونسى هؤلاء ـ أو تناسوا ـ أن الارتفاع ليقاس بالقمة الواحدة كما يقاس بالقمم الكثيرة ، وأن الغور ( العمق ) ليُسْبر فى مكان واحد كما يُسبْر فى كل مكان .

     وإنما تكون الندرة هنا أدل على جلال وصعوبة المرتقى الذى تطيقه النفس الواحدة
أو النفوس المعدودة ولا تطيقه نفوس الأكثرين .

     فمدار الخلاف إذن فى هذه الجولة التاريخية ، هو الفارق الخالد بين مزاجين بارزين :  الأريحية والمنفعة ، ولم يتلاق هذان المزاجان على تناحر وتناجز كما تلاقيا عامة فى النزاع بين الطالبيين ، وخاصة فى النزاع بين الحسين ويزيد .

     وحياة الحسين رضى الله عنه ، صفحة لا تماثلها صفحة فى توضيح الفارق بين خصائص هذين المزاجين ، وبين خصائص كل منهما من عدة للنجاح فى كفاح الحياة ، على الأمد البعيد وعلى الأمد القريب .

 

أسباب التنافس والخصومة

 

     اجتمعت أسباب التنافس والخصومة من أجيال قبل المناجزة التى كانت بين الحسين ويزيد ، وكان كل سبب للتنافس بينهما يرجع إلى ما يوجب النفرة بين الرجلين : من العصبية ، إلى الترات الموروثة ، إلى السياسة ، إلى العاطفة الشخصية ، إلى اختلاف الخليقة وكذلك النشأة والتفكير .

     تنافس هاشم وأمية من قديم على الزعامة ، فخرج أمية مهزومًا ناقمًا إلى حيث مكث بالشام نحو عشر سنوات ، وبقى هاشم منفردًا بالزعامة فى مكة بين بنى عبد مناف ، وشاءت هذه الظروف أن يعتصم الأمويون بالشام ، وأن يعتصم بنو هاشم بالحجاز ..

     ثم علا نجم « أبى سفيان بن حرب بن أمية » فصارت له زعامة مرموقة بالحجاز إلى جانب زعامة بنى هاشم ، فلما ظهرت الدعوة المحمدية أكلته الغيرة على الزعامة التى
لا يمكن منافسة بنى هاشم فيها ، فكان فى مقدمة المحاربين للدعوة الجديدة .

     وشاءت المصادفات أن يظل أبو سفيان على زعامة القرشيين المحاربين للنبى عليه الصلاة والسلام ، طوال المواجهات التى دارت لحين فتح مكة ـ فقد مات الوليد بن المغيرة ، ودان زعماء تيم وبنى عدى وغيرهم من البطون القرشية بالإسلام ، وقتل عتبة بن ربيعة فى بدر ، وبقى أبو سفيان وحده على رأس الزعامة الجاهلية والزعامة الأموية فى محاربة النبى ومن معه من المهاجرين والأنصار  .

     بل إن عداوة أبى لهب للنبى ، والتأليب عليه ، كانت فى الغالب بسبب زواجه بأم جميل حمالة الحطب ، التى هى بنت حرب بن أمية ، وأخت أبى سفيان .

*       *       *

      ويوم فتح مكة وقف أبو سفيان مبهورًا يقول للعباس بن عبد المطلب : «لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما !» ، فيرد عليه العباس : «إنها النبوة !» ، فلا يجد أبو سفيان مناصًا من التسليم فى عبارة دالة على ما فى خبيئته ، قال : « نعم إذن ! » .

      ولم يسلم أبو سفيان وابنه معاوية إلاَّ ضمن الطلقاء يوم فتح مكة ، ولم يمض ذلك هينًا  فى بيتهما ، فقد انطلقت « هند بنت عتبة » زوجة أبى سفيان تصيح فى الناس بعد إسلامه :  « اقتلوا الخبيث الدنس الذى لا خير فيه .. قبح من طليعة قوم .. هلا قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلدكم ! »

      وقد أصاب الأستاذ العقاد فى استخلاصه أن أبا سفيان ظل زمنًا بعد إسلامه يحسب أن الإسلام غلبة عليه هو ، وتجلى ذلك فيما أفلت منه يوم حنين وغيرها ، وقد رُوِى أنه نظر مرة إلى النبى وهو بالمسجد نظرةً حائرةً متعجبة قائلاً لنفسه : « ليت شعرى بأى شىء غلبنى ! » . ولم يخف ذلك على النبى عليه السلام فأقبل عليه حتى ضرب يده بين كتفيه وقال له  : « بالله يا أبا سفيان ! ».

     أما يوم حنين ، فقد سُمع يقول شامتًا : « ما أراهم ـ أى المسلمين ـ يقفون دون
البحر !  » ، وقيل إنه كان يهتف فى حروب الشام كلما تقدم الروم : « إيه بنى الأصفر » ، فلما تراجعوا قال : « ويل لبنى الأصفر » .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *