فى مدينة العقاد ـ الحسين أبو الشهداء (2)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

صراع بين الأريحية والمنفعة

 

      فى ماضى الشرق وحاضره فيما يقول الأستاذ العقاد ـ كثير من الحركات التاريخية التى وقع الصدام فيها بين الأريحية والمنفعة  .

     وليس هناك من نموذج أوضح لذلك ، سواء فى استخلاص المبادئ أو الاهتداء إلى النتائج ، من النزاع بعامة بين الطالبيين والأمويين ، ومن النزاع بخاصة الذى نازع به معاوية خلافة الإمام علىّ البيعة الصحيحة المعقودة له  .

     وأهدى وأوضح لذلك ، النزاع بين الطالبيين والأمويين على عهد الحسين بن على ، ويزيد بن معاوية  .

    يورد الأستاذ العقاد أنه قال فى كتابه « عبقرية الإمام » ما فحواه أن الكفاح بين علىّ ومعاوية ، لم يكن كفاحًا بين رجلين أو بين عقلين وحيلتين ، ولكنه كان على الحقيقة كفاحًا بين الإمامة الدينية الرشيدة ، والدولة الدنيوية ، وأن الأيام كانت أيام دولة دنيوية فغلب الداعون إلى هذه الدولة من حزب معاوية ، ولم يغلب الداعون إلى الخلافة الراشدة من حزب الإمام .

    وأنه لو حاول معاوية ما حاوله علىّ ـ لأخفق !

    ولو أراد علىّ أن يسلك غير مسلكه لما أفاده ذلك شيئًا عند محبيه ولا عند مغضبيه .

    وقد زاد الأستاذ العقاد هذه الجوانب بيانًا فى كتابه « معاوية فى الميزان » الذى فرغنا للتو من تناوله ، بيد أنه لم يكن بالمستطاع الاستشهاد بما ورد فيه كما استشهد الأستاذ العقاد بكتاب « عبقرية الإمام » .. ذلك أن عبقرية الإمام صدر قبل سنتين من صدور الحسين أم الشهداء سنة 1945 ، بينما لم يصدر كتاب « معاوية فى الميزان » إلاّ سنة 1956 بعد اثنتى عشر عامًا من صدور أبى الشهداء .

     ولن يجد المتنحلون هنا ، ما اصطنعه الأدعياء المتنحلون لاختلاق ذرائع لمعاوية فى خروجه على الإمام  .

    فما من أحد قط يستطيع أن يزعم أن الصراع هنا كان بين رجلين أو بين عقلين وحيليتين .. وإنما هو صراع بين الإمامة والملك الدنيوى ، أو بين الأريحية والمنفعة ، ولم يكن ليزيد أى فضل كبير أو صغير فيما تحقق له من غلبة ، ولا نقول فوزًا ، لأن ما حصل فى كربلاء لم يكن فوزًا بالمعنى المفهوم لهذه الكلمة .

     ولا يمكن للمتنحلين أن يتعللوا هنا بالمنافع العامة وتقرير النظام وحفظه ، لأن يزيد لم يكن له فضل قط فى قيام الدولة ، لا فى عهده ولا بعد عهده ، فقد كانت الدولة تتماسك برغبة الراغبين ، فحين مات يزيد وخلفه ابنه الزاهد معاوية ، نادى الناس إلى صلاة جامعة وقال لهم  : « أما بعد فإنى ضعفت عن أمركم ، فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب  حين استخلفه أبو بكر  فلم أجده ، فابتغيت ستة مثل ستة الشورى فلم أجدهم ، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتهم » .. ثم مضى إلى بيته ومضت شئون الدولة على حالها حتى مات بعد ثلاثة شهور !

     فلا وجه للمفاضلة بين الحسين بن علىّ ويزيد بن معاوية .. بل إن رأى معاوية وأعوانه كان أسبق للإقرار بأن الكفة لا تميل لصالح يزيد ، فترددوا وطال ترددهم كثيرًا قبل الجهر باختيار يزيد لولاية العهد وبيعة الخلافة بعد أبيه .. ولم يُقدموا على ذلك إلاَّ بعد إزجاء النصح إلى يزيد مرات بالإقلاع عن عيوبه وملاهيه  .

    بل وكان معاوية نفسه ، مقرًّا بفضل الحسين ، وحين حرضه بعض أتباعه على التصغير من شأن الحسين لجرأته فى مخاطبته ، قال مقرًّا : « وما عسيت أن أعيب حسينًا ؟ .. والله ما أرى للعيب فيه موضعًا » .

     ولم يكن هناك مجال للمتنحلين الأدعياء بما اصطنعوه سلفًا ـ لمعاوية ـ بالتصايح للمطالبة بدم عثمان ، فالصائحون بهذه الصيحة مع معاوية قد عاشوا حتى رأوا بأعينهم أن الغيرة على تراث عثمان ، لم تكن إلاَّ تعلة ، ورأوا أن الملك هو الغرض المقصود من وراء تلك الفتن والأرزاء !

     ولم يكن يزيد من أهل الرأى ، ولا هو من أهل الصلاح ، ولا هو ممن تتفق عليه آراء هؤلاء وأولاء  .

     ولكنه كان فتىً عربيدًا ، يقضى ليله ونهاره بين الخمور والطنابير ، ولا يفرغ من مجالس النساء والندماء حتى يطير إلى الصيد ويتلبث فيه الأسابيع بين الأديرة والبوادى والآجام ، ولا يبالى خلال هذا كله بملك ولا بالتمهيد لملك ولا بتمرين على الحكم ولا استطلاع لأحوال الرعية  .

    وعلى ذلك فكل ما تذرع به الأدعياء المتنحلون لاصطناع الذرائع لمعاوية ـ لم يكن له أى محل ولا فرصة فى شأن المفاضلة بين الحسين ويزيد .

     وإنما كانت الخلاصة أو الموقف الحاسم ، هو المواجهة بين الأريحية والمنفعة  .

     وكل ما يجوز أن يقال هنا ، إن أنصار الدولة الدنيوية ، غلبوا أنصار الإمامة على سنة الخلفاء الراشدين .

    ومعقد الأمر ، أن مطالب الإمامة الراشدة ، لم تكن مطالب الزمان !

    كان الزمن زمن دنيا وملك ، لا زمن دين وخلافة  !

    وعلى ذلك كان كل ما تذرع به المتذرعون لمعاوية ، صالحًا للتذرع به ليزيد .

    لقد بلغ الطرفان : الحسين ، ويزيد أقصى طرفى الصراع بين الأريحية والمنفعة ، فغلبت المنفعة بأرذل ما فى النفس الإنسانية من جشع ورياء وخنوع للمتع الصغيرة والأهواء ، ولأن الأريحية لم تكن صالحة لهذا الزمان ، ولكن الحسين انتصر ـ رغم استشهاده ـ بأشرف ما فى النفس الإنسانية من غيرةٍ على الحق وكراهةٍ للنفاق والمدارة .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *