فى مدينة العـقاد ـــ الحسين أبو الشهداء (1)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

    أصدر الأستاذ العقاد هذا الكتاب سنة 1945 ، بعد سنتين من إصداره عبقرية الإمام ، وأعادت دار الهلال نشره فى كتاب الهلال ـ العدد /4 ـ سبتمبر 1951 ، وأعادت نشره ضمن مطبوعات الهلال ، ثم مرة ثالثة بكتاب الهلال ـ العدد /225 ـ نوفمبر 1969 ، ونشرته نهضة مصر سنة 2003 ، ودار المعارف ضمن « إسلاميات العقاد » التى صدرت طبعته الثالثة سنة 2008 ، وأعيد نشره بالمجلد الثانى للمجموعة الكاملة لمؤلفات العقاد ـ ببيروت ، وبالمجلد الثالث من موسوعة العقاد الإسلامية .

    ووجدت فى نسختى من الكتاب ـ كتاب الهلال /225 ـ نوفمبر 1969 ، تأشيرة مختصرة منى آخر عام 1969، تذكر أن العقاد تفوق فى هذا الكتاب على نفسه ، وسما إلى قمة لا نظير لها ، وكلما عدت إلى الكتاب ـ وكثيرًا ما فعلت ـ زاد اقتناعى بصواب هذا الرأى الذى يرجع إلى أكثر من نصف قرن .

   وكتاب « الحسين أبو الشهداء » ـ يأتى هنا فى موضعه من هذا المجلد ، إثر تناول كتاب
« معاوية فى الميزان » ، فلم يكن مقتل الشهيد أبى الشهداء
ـ إلاَّ أثرًا من آثار سياسة معاوية ، وفرض ابنه يزيد وليًا للعهد يتولى الخلافة بعده ، بالإغراء والرشوة والاستمالة والوعد تارةً ، وبالقوة والتهديد والوعيد تارات أخرى ، غير غائب عنه عدم صلاحية يزيد لهذه الخلافة ، حتى كاد يعتذر إلى ربه فى أيامه الأخيرة داعيًا إليه أن يعينه إذا كان قد أحسن الاختيار فيه ، وأن يقبضه ـ سبحانه ـ إليه إنْ كان هواه كأب هو الذى غلبه فى هذا الاختيار !

    بل إن معاوية لم يغب عنه أنه قد صب الزيت على النار ، فورد بوصيته ليزيد قبل أن يفارق ، الإشارة إلى الحسين بن علىّ ضمن الأربعة الذين حذره منهم ، وهم إضافةً للحسين : عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن أبى بكر الصديق ، وعبد الله بن الزبير . وجاء فى هذه الوصية عن الحسين توقع معاوية الذى طال حكمه واتسعت خبرته ، أن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه ، موصيًا ابنه يزيد بأن يعفو إذا ظفر به ، لأن للحسين« رحمًا ماسة وحقًّا عظيمًا » .

    فالواقع أن التصادم مع الحسين كان حاضرًا فى ذهن معاوية وهو يفارق الدنيا ، عالمًا بأنه نكص عما التزام به مع الحسن بن علىّ سنة 41 هـ ، من أن يترك الأمر بعده لاختيار المسلمين ، ولكنه لم يفعل ، بل وأجبر هؤلاء أبناء الصحابة الأربعة تحت تهديد السلاح ـ على السكوت قهرًا على إدخالهم فى بيعة لابنه يزيد لم تصدر عن أحدٍ منهم ، ومدركًا أن الأمور بعده لن تمضى بسلام ، بل ومتوقعًا صدامًا محققًا مع الحسين الذى نكل عن عهده مع أخيه فى التصالح سنة 41 هـ .

طبائع الناس

مزاجان تاريخيان

 

    فى الفصل الأول للكتاب ، يتحدث الأستاذ العقاد عن « طبائع الناس » ـ فيري أنه يتناوبها مزاجان متقابلان : مزاج يعمل أعماله للأريحية والنخوة ، ومزاج يعمل أعماله للمنفعة والغنيمة .

    والمزاجان لا ينفصلان فى طبائع الناس كل الانفصال ..

    فقد تقترن الأريحية بالمنفعة ، وتقترن المنفعة بالأريحية ، ولكنه ليس بعسير إذا تصادما فى الأعمال الكبرى ـ تمييز المزاجين والفصل بينهما .

    فإذا كان أصحاب المطالب الكبرى فى التاريخ يعتمدون ـ كلٌّ بمقدار ـ على هذا المزاج
أو ذاك ، إلاَّ أن الذى لا شك فيه أن الأريحية أخلد من المنفعة ، بسنةٍ من سنن الخلق التى لا تتبدل .

    فمنفعة الإنسان وجدت لفرد من الأفراد ..

    أما الأريحية التى يتجاوز بها الإنسان منفعته ، فإنها وجدت للأمة كلها أو للنوع  الإنسانى كله .

    وقد يبدو من ظواهر الأمور أنها تجرى خلاف ذلك ..

    ولكن النجاح فى الحركات التاريخية لن يكون نجاحًا إذا لم يتجاوز حياة الفرد أو طائفة من الأفراد إلى المجموع . ولذلك فإن وصف حركة من الحركات التاريخية بالنجاح ، يعنى فى مغزاه أن القائمين بها يذهبون وأن الحركة التاريخية هى الباقية بعد ذهابهم .

    ومن هنا صح ، وهو صحيح ، أن الأريحية أبقى وأنجح إذا هى اصطدمت بالمنفعة الفردية .

    وقد يكون من غير الضرورى ما رآه الأستاذ العقاد أن أصحاب الأريحية أبعد نظرًا من دهاة الطامعين والنهازين للفرص والمغانم العاجلة ، فقد يكون بُعد النظر على ما رأى ، وقد لا يكون ، وإنما الذى يبقى ولا يقع عليه خلاف أن الأريحية أبقى وأنجح لتاريخ الإنسانية . 

*         *         *

    أما موقف المؤرخين إزاء حركات التاريخ ، فإنه مزاج من هذين المزاجين : الأريحية ، والمنفعة .

    والذين يجنحون بمزاجهم إلى المنفعة ، يتفهمون أو يوالون أعذار المنتفعين ، وينكرون الملامة عليهم من ناقديهم .

    والذين يجنحون بمزاجهم إلى الأريحية ، يفهمون دوافع النخوة ، ويحسبونها عذرًا لأصحابها أقوى من غواية المنافع .

    إلاَّ أن الصواب هنا ظاهر لمن يريد أن يراه ..

    أن العطف على جانب المنفعة عبث لا معنى له ولا حكمة فيه ..

    وأن العطف على جانب الأريحية واجب يُخْشى على الناس من تركه وإهماله ، لأن تركه مناقض لصميم الفطرة التى من أجلها فطر الناس على الإعجاب بما يستحق الإعجاب !  

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *