فى مدينة العـقاد ـــ معاوية فى الميزان (21)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

فى الميزان

 

     هذا الفصل هو زبدة الكتاب ، أو ما خرج به الأستاذ العقاد من دراسته لشخصية معاوية وتجواله فى تاريخه وفى أعماله ، وهو يرى أنه لا يتاح للمؤرخ الأمين أن يزن معاوية بالميزان الصادق الصحيح ، ما لم يراجع بينه وبين ضميره طائفة من الحقائق البديهية .

    ومن هذه الحقائق البديهية أن معاوية لم يبذل الأموال للمأجورين من أجل الحصول على تعريف حقيقى به ، وإنما فيما جاوز ذلك !!!

    ومن هذه الحقائق البديهية ، أن « سلطان » معاوية داخلٌ فى الحساب ، يوجب على الباحث أن يميز بين ما يقال عن صاحب السلطان ، وما يقال عن رجل يحاربه السلطان !

    ومن الحقائق البديهية تواطؤ الزمن الذى طمر بمروره كثيرًا من الحقائق ، وزرع فى الأسماع ما تكاد تنفر من تغييره ! أو ما تكاد تعجز معه عن معرفة الحقيقة !

    ومن الحقائق البديهية أن المحاباة تأتى بتوافق الطبائع كما تأتى بالغرض والرشوة .

    ومن أمثلة هذه المحاباة ما سطّره المؤرخون للدولة الأموية فى الأندلس ، فقد نصبوا ميزانًا يتغيَّا ترجيح كل سيرة أموية ، والإحجام عن تناولها بالنقد والملامة ، لأنهم محكومون بهواهم !

    ومن هؤلاء أناس فى طبقة « ابن خلدون » ، لم يلتزموا بميزان صحيح ، حتى ليكاد ابن خلدون أن يدرج معاوية فى مصاف الخلفاء الراشدين ، ويتمحل المعاذير لتبرير بيعته فى حياته لابنه يزيد بولاية العهد ، رغم فسوقه وخلل سياسته وكراهة الناس لحكمه .

    ولا ينبغى للقارئ أن يستهول ذلك على اسم ابن خلدون ! فما كان يستقيم على أى وجه أن يشابه بين معاوية أى مشابهة تجمعه بالصديق والفاروق وعثمان وعلىّ .

    وإنما فى وسع القارئ أن يجد المشابهات الكثيرة التى تجمع بين معاوية ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان وسليمان وهشام ابنى عبد الملك ، ومن المحال أن تجمعه بالراشدين الأربعة .

    فإذا كان هذا شأن ابنه خلدون ، فكيف بسائر المؤرخين الذين لم يبلغوا مكانته !!!

    فإذا ما روجعت هذه الحقائق فى ميزان التاريخ ، من أثر السلطان ، وتواطؤ الزمن ، والمحاباة ، وتكرار العادة ، وكسل السامع عن مشقة البحث والمراجعة ـ استبان أنه قد تمهدت لمعاوية أسباب لم تتمهد فى عصره لأحدٍ غيره قبل الإسلام وبعده حتى أيام عثمان !

    ولم يكن معاوية مفِّرطًا أو عاجزًا ، فلم يضع ما تمهد له ، وكان له دهاء وعلم ، وكان فيه طموح ، وكان له من هذا كله قدره الذى أعانه على مقصده . 

    كان فى يديه من المال ، والجند ، وسلطان الولاية ـ ما لم يكن لغيره ، ولا للإمام علىّ الذى نازعه معاوية فى بيعته المعقودة له ، وخرج عليه !!!

    كان له علم أوشك أن يحرمه عزة أو كرامة الرئاسة .

    وكان له طموح إلى السيادة ، ولكنه طموح الألفة والعادة الموروثة من جاه الأسرة .

    وقد أراد الملك له ولبنيه ، ولم يرده لكل بنى أمية أجمعين ، فقد فرق بينهم وجعل يمهد لابنه يزيد ليخلفه ، ولكن لم يخلفه من ذريته غير يزيد ، ومات يزيد فى عنفوانه بداء الجنب الذى يصيب الكبد ، فلم يخلفه أحدٌ من ولديه .

    وتقع على معاوية تبعة عاقبة ولى العهد الذى خرق كل القواعد لتوريثه الملك ، وتوريث أبنائه من بعده ، ولكن جنت عليه فيما خطط له تلك الخليقة الأموية التى صرفته إلى الإملاء لهم فى النعمة والمتاع ، فكان فى ذلك سبب الضياع ، فلم يكن ذات الجنب إلاَّ مرضًا من أمراض الكبد المحتومة على المنهوم بطعامه المفرط فى شرابه .

    وقد صنع معاوية لولده يزيد عدة النعمة والمتعة ، ووضع له عدة الملك والسلطان ، دون أن يحسب الحساب الصحيح ، فكانت عدة النعمة والمتعة هى التى قضت على يزيد ، وأوقفت امتداد الخلافة فى ذرية معاوية .

    وقد خرج معاوية نفسه من الملك بالأيام التى قضاها فى نعمته وثرائه ، ولا يقال فى صولته وعزّه ، لأنه كان يذل لكل ذى بيعة منشودة أو عون مطلوب ـ ذلاًّ لم يصبر مَن بايعوه أو ساعدوه على مثله .

    نكص معاوية بالملك خطوات ، وكان فى مقدوره أن يتقدم به خطوات .

    حقًّا لم يكن بمقدوره أن يديم على الدولة خلافة كخلافة الصديق أو الفاروق ، ولكن كان فى ميسوره أن يجنب الدولة الكسروية والهرقلية وأن يجعل للخلافة أثرًا باقيًا فى ولاية الأمر ، إلاَّ أنه كما لم يصمد على سنة الراشدين ، لم يصمد أيضًا على سنة الملك العقيم .

    وعرف الناس فى زمانه الفارق الشاسع بين ولى الأمر الذى يتخذ الحكم خدمة للرعية وأمانة للخلق والخالق ، وبين من يتخذ الحكم لإحاطة نفسه بالأبهة والجرى على سنة المساومة والمبالغة فى البذخ والمتعة والترف والمغالاة فى صغائر الحياة .

    فى أول أمره كان يضيق بمن يناديه بالملك ، ولا يسلم عليه بالخلافة ، فلما ارتاح إلى ما هو فيه ونازعة الخيار ، تمادى فى طلب الملك ، وجعل يقول جهرة : نعم أنا أول
الملوك !

    ولم يكن من المعقول ، ولا من طبائع الأمور ، أن تُبْذر فى الأرض كل جراثيم التفرقة ، ثم تسلم الدولة من عقابيلها !

    وقد كانت هذه العقابيل هى التى رسمت خط النهاية للدولة الأموية .

    أما قدرة معاوية ، فقد عمل بها ما أفاده وأفاد قومه وأفاد ما تولاه ، فإن استبعدنا من سجله ما عمله لنفسه ولبنيه ـ لم يبق فى ذلك السجل عمل تطول حوله اللجاجة حول النيات كما يقول الأستاذ العقاد .

    إنها قدرة لا ترسل على إطلاقها بغير تقدير ، وتقديرها الحق أن غايتها إلى الشوط القصير والمدى القريب .

    وأخيرًا ، فقد كان قويًّا لا مشاحة فى وصفه بالقوة فى إطارها ، ولكنها كانت قوة الجمل الصبور ، وليس الأسد الهصور !

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *