رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

حب الملق وحب الاستثارة

 

     ولم يكن يخالف المعهود ما يجرى من تقرب المتقربين لصاحب الأمر ـ من الوقوع فى خصمه الحاضر فى مجلسه بما يكره ، ولم يكن معاوية يمنع ذلك إلى أن يبدو فى تدخله ما رفع به الأزمة .

    كان عنده زيد بن عمر بن الخطاب ، وأمه أم كلثوم بنت على بن أبى طالب ، فقال
« بسر بن أرطاه » فى محضر معاوية من الإمام ، فعلاه « زيد بن عمر » بالعصا وشج رأسه . هنالك لم يزد معاوية على أن قال لزيد : « عمدت إلى شيخ قريش وسيد أهل الشام فضربته ؟ ثم قال لبسر : تشتم عليًّا على رؤوس الناس وهو جده (لأمه) وابن الفاروق
ـ ثم تراه يصبر على ذلك ؟ » .

    وهكذا ترى أن معاوية يرضى ـ فى داخله ـ عن سفاهة بسر بعد أن مضت فى سبيلها ، ولكنه لا يبطش بزيد أن غضب لجده الإمام وضرب السفيه بجريرة سفاهته .

    وخلاصة المستفاد من تلك الروايات ، أن معاوية كان يحب الملق ، ويحب الاستثارة ، لأنها تمتعه بذكرى الشدائد التى تخطاها .

 

بين بنى هاشم وخصومهم

فى مجلس معاوية

    وقد اجتمع من سجال بنى هاشم وخصومهم فى مجلس معاوية ، ما يذكر الأستاذ العقاد أنه ينعقد به سجل خاص فى مأثورات الحوار ، ويؤيد وقوعه أنه لو حدث لما أمكن حدوثه على غير ذلك النمط الذى تناقله الرواة .

    أناسٌ من المحدثين ذوى السلطان ، وهم يعلمون « هوان » أقدارهم مع بنى هاشم
وآل النبى وصفوة قريش ، يلذ لهم أن ينعموا بالسلطان فى حضرة صاحبه معاوية ، فيجتروا النعمة التى نزلت عليهم ما وسعهم ذلك فى حضرة وليهم معاوية ، وعلى مسمع من السادة الأعلين ، من بنى هاشم وآل البيت ، الذين غُلِبُوا على سلطانهم ، عارفين أن ولى الأمر ذاته
ـ معاوية ـ ليحب ذلك ، ولكنه يعلم أنه مركب غير مأمون ، فسبيله أن يتركه للموتورين , بينما يصطنع هو مخالفة جلسائه وتحذيرهم مغبة اللهو والتجاوز مع الهاشميين الذين لم تعوزهم أو تخذلهم قط أنفتهم وفصاحة بيانهم وحجتهم فى مقام المناظرة ، فإن أُصيب جلساء معاوية فعليهم ـ لا هو! ـ وزر عملهم وليس لهم أن يطالبوا بالاقتصاص لهم ، وإن سلم هؤلاء الجلساء من أشياعه فإن فى ذلك ما يشفى صدره !

    وتكاد القصص مع بنى هاشم فى مجلس معاوية تجرى كلها على وتيرة واحدة : رجل من آل البيت يُدْعى إلى المجلس أو يأتى إليه فى أمر من أموره فيغرى به جليس من الحاشية يتحرش به ويستثيره فيجاب بما هو أهله ، ويتغاضب معاوية على الجليس فيلومه إذا بلغ الجدال والمحال فصل المقال ، فيما يبدو معه أن الملهاة كلها كانت مدبرة لكى تنتهى إلى هذه الخاتمة !

*         *         *

    إلاَّ أن حديثًا واحدًا من أحاديث بنى هاشم ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ يخالف هذا النمط ولا يستقيم مع سائر هذه الأحاديث . فلم يكن البادئون به من جلساء معاوية ولا من آل البيت ، ولكن البادئ به معاوية نفسه على نحو لا يشبه طريقته المأثورة من التقية والمداراة ، وليس فيه نفع له فى شأن من شئون الملك أو خاصة من خواص أمره تستوجب ذلك الحديث .

    قيل انه تحدث إلى ابن عباس فقال له : إن فى نفسى منكم لحزازات يا بنى هاشم . وإنى لخليق أن أدرك فيكم الثأر وأنفى العار . فإن دماءنا قبلكم وظلامتنا فيكم ، فقال له ابن عباس : والله إن رمت ذلك يا معاوية لتثيرن عليك أُسْدًا مخدرة وأفاعى مطرقة ، لا يفثأها كثرة السلاح ولا تعضها نكاية الجراح ، يضعون أسيافهم على عواتقهم ويضربون قدمًا قدمًا من ناوأهم …

    إلى أن قال فى رواية الرواة : « فلتكونن منهم بحيث أعددت ليلة الهرير ( يومٌ فى صفين ) للهرب فرسك ، وكان أكبر همك سلامة حشاشة نفسك ، ولولا طغام من أهل الشام وقوك بأنفسهم وبذلوا دونك مهجهم … ورفعوا المصاحف مستجيرين بها وعائذين بعصمتها لكنت شلوًا ( من الشلل ) مطروحًا بالعراء .. وما أقول هذا لأصرفك عن عزيمتك ولا لأزيلك عن معقود نيتك ، ولكنها الرحم تعطف عليك ، والأواصر توجب صرف النصيحة إليك » . فقال معاوية : لله درك يا ابن عباس . ما تكشفت الأيام منك إلاَّ عن سيف صقيل ورأى أصيل . والله لو لم يلد بنو هاشم غيرك لما نقص عددهم ولو لم يكن لأهلك سواك لكان الله قد كثرهم .

    ويرى الأستاذ العقاد أن دواعى الشك فى مثل هذا الحديث كثيرة ، لولا أن التلفيق فيه على لسان طرفيه أعسر من أن يتاح لكل راوية ، ناهيك بالرواة المتعددين !

    فإذا كانت هذه القصة غريبة من معاوية ، إلاًَّ أنها يمكن أن تكون مقصودة لغير ظاهرها مع رجل كابن عباس له ظاهر وباطن يمكن استطلاعهما بهذه المفاجأة ، ولا يُسْتطاع ذلك بغيرها .

    وأمثال هذه الردود الخشنة جميعًا لم تكن فى ذلك العصر مما يستكثر فى مناسباتها فيما يقول الأستاذ العقاد ، وقد سمعها معاوية ـ أو سمعها جلساؤه معه ـ متوقعة مستثارة ، ولم يتعود الناس يومئذ أبهة الملك وطاعة العبيد للسادة ، ولم يتعود الأمير كذلك أن يسوم الناس سكوتا فى موضع القول ، وإغضاء فى موضع الأنفة ، وإنما كان الأمير خليفة يتشبه بالخلفاء الراشدين فى حق الطاعة ، ولم يعد أحد من هؤلاء الخلفاء أن يخاطب إنسانًا بما يسوءه ثم يستكثر عليه أن يجيبه بمثل خطابه ، فهذه « هرقلية » لم يتعودها الرعاة ولا الرعايا ، ولم يكن فى طاقة معاوية أن يروِّض رعاياه عليها دفعة واحدة . فإذا تمهل فيها آونة بعد آونة فإنما يكون التمهل بمثل ذلك الصبر على كره أو على اختيار .            

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *