رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

تمهيدات الحوادث !!

     الحوادث المعنية هنا ، هى التى مهدت لمعاوية ، وأعانته من ثم أو يسرت له الوصول إلى مبتغاه .

      وعلى عادة الأستاذ العقاد فى عراضة وعمق البحث ، رَصَد أن التمهيد لبنى أمية
فى الشام بدأ قبل الإسلام بجيلين ، وكانت الشام قبل ذلك سوقًا عامة لقريش تأتى إليها قوافل التجارة : صيفًا وشتاءً بتجارة الحجاز .

     وكانت بداية التمهيد ، نتاج المنافسة القديمة المحتدمة فى قريش بين هاشم رأس بنى هاشم ، وأمية رأس بنى أمية ، حيث أسفرت هذه المنافسة عن هجرة أمية من مكة إلى الشام حيث مكث وأقام بها عشر سنين ؛ وفقًا لما حكم به المحكمون بين المتنافسين فى أرجح الروايات ، على أنه أيًّا كانت صحة أخبار هذا التحكيم ، فإن ضيق أمية بالزعامة المعقودة لهاشم فى مكة كانت من دواعى هجرة أمية إلى الشام ، وأن هذه الهجرة إلى الشام هجرةٌ محققة لم يقع حولها أى خلاف .

     فلما مات هاشم وشغل أبناؤه بالرئاسة الدينية إلى جوار الكعبة ، آل اللواء إلى بنى أمية ، وهو عمل منوط به حراسة القوافل إلى الشام وإيابها ، أى حراسة التجارة بين مكة والشام ، الأمر الذى زاد من توطد علاقة بنى أمية بالشام بعد العشر سنوات التى أمضاها أمية مقيمًا فيها إقامة دائمة .

      ومن المشهود المتواتر فيما يورد الأستاذ العقاد ـ أن عثمان بن عفان رضى الله عنه ، وهو أحد كبار الأمويين كان معروف المكانة بين رؤساء الدولة البيزنطية ، وخلعت عليه لقبًا من ألقاب الرئاسة ليسفر بينها وبين قومه ، وليعينها فى خلافها مع العرب الغساسنة بالشام ، والذين كانوا يجنحون أحيانًا إلى الفرس فى حربها لبيزنطة .

      كما كان بنو أمية على شبه محالفة مع بنى كلب أقوى القبائل ببادية الشام وأشدها خطرًا على الغساسنة ، ومن المعروف أنه بعد الإسلام أصهر ثلاثة من كبار الأمويين إلى بنى كلب ، هم سعيد بن العاص ، وعثمان بن عفان ، ومعاوية بن أبى سفيان نفسه ، وهى مصاهرة دالة على الصلة السابقة .

     ومن المشهور أيضًا ـ فيما أورد الأستاذ العقاد ـ أن أبا سفيان والد معاوية ، كان على صلة بولاة الأمر من البيزنطيين ، وكان يلقى هرقل وأمراء بيته فى رحلاته ويعول هؤلاء عليه فيما يعنيهم من أحوال العرب وأخبارهم ، ومن المرويات أنهم سألوه عن النبى عليه السلام وصفاته عند مبعثه  .

     وذكر المقريزى « إنه ما فتحت بالشام كورة إلاَّ وجد بها رجل من بنى سعيد بن العاص ميتًا » ..

     وقد كان من معايير اختيارات النبى عليه السلام للولاية ، أن يكون متيسرًا لمن يختاره العمل هناك بموافقة الرعية ، فاختار عمرو بن سعيد بن العاص واليًا لتيماء وخيبر وتبوك وفدك ، وكلها على طريق التجارة الأموية إلى الشام ، وسار أبو بكر على هذه السنّة فاختار يزيد بن أبى سفيان لإمارة أحد الجيوش التى أرسلها إلى الشام ، وولاه بعض أقاليمها ، وكانت وفاة يزيد فى عهد الفاروق الذى جرى بدوره على هذه السنّة وعهد بالولاية إلى أخيه معاوية ، والتى بقى فيها طوال حياة عمر ، ثم طوال خلافة عثمان حتى مقتله رضى الله عنه .

     ومن بنى أمية من كاد يصرّح بالطمع فى الملك بعد رسول الله على عهد الصديق . إذ كان من أبناء عمرو بن سعيد بن العاص من خلفه على الولايات التى ولاه إيَّاها النبى عليه السلام ، فلما بويع أبو بكر بالخلافة ، أنفوا أن يعملوا له وقالوا : « نحن أبناء بنى أحيحة
لا نعمل لأحدٍ أبدًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم » .

     ولا يفوت أنه لا يقول هذا القول إلاَّ من يطلب الرئاسة لنفسه ولا يقر بها لغير ذى نبوة أو رسالة إلهية ، وينظر إلى الخلافة نظرة دنيوية لا تفاضل فيها بصفة من صفات الدين وسابقة من سوابق الهداية .

     وحين ولى عثمان الخلافة ، زاد فى نصيب ما يتولاه معاوية بالشام فى عهد الفاروق ، فضم إليه سائر الشام وألحق به أقاليمها من الجزيرة إلى شواطئ بحر الروم ، مما زاد من التمكين لمعاوية بالشام سواء بحكم ولاية الحاضر أم بحكم موروث التاريخ .

      وحين قُتل عثمان ، كان قد مضى لمعاوية فى ولاية الشام عشرون سنة ، بما يصاحب ذلك من مكانة ونفوذ ، كان معاوية حريصًا عليهما بكل السبل ، حتى لم يبق فى الشام من يمكن أن ينازعه أو يعصيه .

     وبحكم هذه الولاية الطويلة ، لم يكن أحدٌ من عمال معاوية بالشام من غير صنائعه وأشياعه المستقرين فى كنفه . وكان معاوية حريصًا على ذلك كل الحرص ، لا يستبقى إلاَّ من يواليه ، ويقصى من يعارضه أو يشغب عليه ، وحين أطلت الفتنة جعل همّه الأكبر أن يُخْرِجَ أهلَهَا من الشام دون أن يبالى بما يصنعوه فى سائر الولايات ، فتفرق هؤلاء بين الكوفة ومصر والحجاز ، وبقيت الشام كلها بأهلها وولاتها خالصة لمعاوية وفقًا لما يريد !

     ومن المتواتر أن معاوية كان أول ولاة عثمان الذين شكاهم المسلمون وطلبوا عزلهم ، فيعتذر إليهم عثمان بعذر ظل يكرره : أن الذى ولاه هو عمر بن الخطاب ، وقال ذلك مرة
لعلىّ بن أبى طالب فقال له علىّ : « نعم . ولكن معاوية كان أطوع لعمر من غلامه
يرفأ !! » .

     وهذه قالة صدق ، وقد مَرَّ بنا فى « عبقرية عمر » ، ومَرَّ بى فى وضع كتاب « عبقرية إنكار الذات ـ أبو عبيدة بن الجراح  » ، إنكار عمر لمظاهر الأبهة التى وجد عليها معاوية حين ذهب إلى الشام ، فأشاح عنه معرضًا عن محاولاته الشتى للحديث إليه ، حتى تشفع له أبو عبيدة وعبد الرحمن بن عوف وقالا له : « أتعبت الرجل ! » ، فلامه عمر لومًا شديدًا على ما رآه ، فلما اعتذر له بأنه بين أعداء ألفوا الأبهة واتخذوها آية من آيات القوة والمنعة ، وأبدى استعداده للامتثال لما يأمره به عمر ، لم يحجب عمر فى رده عليه تشككه فى نواياه وفيما يبديه من أعذار أو تعلات !

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *