فى مدينة العـقاد (526) ـــ عمرو بن العاص (24)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

بين عمرو ومعاوية

 

      رغم شيخوخة عمرو بن العاص ، فإنه كان ممتلئًا بالحياة ، وبالطموح أيضًا ، فلم يكن يائسًا من تولى الخلافة ، ولم يستبعد قط أن تسنح له سانحة يغلب فيها معاوية على عرش الدولة لينفتح أمامه الطريق . فإذا كان عمرو قد أخلص العمل لمعاوية ضد على بن أبى طالب رضى الله عنه ، إلاَّ أنه لم يخلص له كل الإخلاص فى تمكينه كل التمكين حتى يستغنى عنه ويثبت فى الخلافة ثبوتًا لا مطمع فيه من بعد لطامع .

      ومع تقرير الأستاذ العقاد أن بعض نصائح عمرو لمعاوية كانت سديدة المرمى فى الصراع ضد الإمام رضى الله عنه ، إلاَّ أنه يحصى عليه نصائح كانت تنطوى فى مجملها على إثارة العداوات وإيغار صدور الصحابة ضد معاوية الذى كان بدوره مشغولاً بخوف الفتنة .

      ومن هذه النصائح الملتبسة ، أنه أشار على معاوية بقتل أسرى صفين من جماعة على ، بينما كان على قد أطلق أسراه من جماعة معاوية ، وهى مشورة لا تنفع معاوية بل تجلب عليه العار لا محالة ، ومن ذلك إشارته بعد ذلك على معاوية بقتل عبد الله بن هاشم ، وغضبه حين خالفه معاوية .

      وأشار كذلك بقتال « قيس بن سعد » فى جيشه الذى كان معه من بقايا حزب الإمام ، بعد نزول ابنه الحسن عن الخلافة ، ولم تكن هذه المشورة صائبة ، فقد كان « قيس » رجلاً صعب المراس ، مقدامًا على الخطر ، لا تؤمن الدوائر فى قتاله ، ولذلك أعرض معاوية عن هذه المشورة وأعرض من ثم عن قتاله ، وبذل الأمان لقيس ومن معه ، وأرضاهم بالمصانعة والعطاء .

      ولم يكن معاوية ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ يضمر لعمرو غير هذا المضمر ، فكان يحتفى به فى مجلسه ويظهر له الركون إلى رأيه ومشورته ، ولكنه لم يكن يمضى كل ما يشور به عليه ، و يمضى على نيته التى انتواها .

      وقد هَمَّ معاوية أن يخلف وعده لعمرو عن ولاية مصر ، لولا أنه توقع الشر فى رد فعله وقدر أن قصارى ولايته ـ نظرًا لشيخوخته ـ لن تطول ثم تصير إليه يعطيها من يشاء ، وقد مات عمرو فعلاً بعد أعوام قليلة ، فى أول عام 664 م / 44 هـ ، فضم معاوية خزائن أمواله إلى بيت المال ، وأسند الولاية إلى أخيه عتبة بن أبى سفيان .

    ونفهم من علاقتهما أن الرياء كان غالبًا عليهما ، وأن كلاًّ منهما كان يضمر الخشية من الآخر ويتعامل معه على حذر ، وربما ثقل عليهما الرياء فى بعض الأحيان فتصارحا بما فى الطوايا ، وربما داعبه معاوية أحيانًا فى أمر آخرته ودنياه مداعبة مقبولة لأنهما كان فى هذا الخط سواء !

      ويروى الأستاذ العقاد أن عمرًا دخل يومًا على معاوية فى مجلسه ، فضحك معاوية حين رآه . قال عمرو : « ما يضحكك يا أمير المؤمنين ، أضحك الله سنك ؟ » قال : « أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوءتك يوم ابن أبى طالب . أما والله لقد وافقته منَّانًا كريمًا ، ولو شاء أن يقتلك لقتلك » . فلم يبرح عمرو أن أشركه معه فى عاره ، وجعل يقول له ويمعن فى وصف فزعه : « أما والله إنى لعن يمينك حين دعاك إلى البراز ، فاحولت ( من الحول ) عيناك وربا سحرك ـ أى صدرك ـ وبدا منك ما أكره ذكره لك .. فمن نفسك فاضحك أو دع .. » .

      كان عمرو ومعاوية فيما بينهما على صراحة وتفاهم ، وعلى احتراس ..

      وكانا يعلمان ما يريدان ، وأنهما لا يتعاونان لأنهما على ثقة متبادلة من إخلاص كل منهما لصاحبه وإيثاره لنفعه ، وإنما لأن هذا التعاون أنفع لهما فى تحقيق أغراض كل منهما ، بينما يودى بهما التخاذل والشقاق إلى النقيض .

      وكانا يفهمان أن هزيمة علىّ هى سبيلهما معًا إلى ما يريدان !

      فعملا متفقين ، لتحقيق هذه الغاية !

      وكانت معونة عمرو لمعاوية فى نضاله لعلى ـ كبيرة الخطر ، واضحة الأثر فى مآزق كثيرة ، أهمها فى حرب صفين ، والتحكيم وانتزاع مصر من والى الإمام على عليها .

      ويرى الأستاذ العقاد أن أكثر جهود عمرو فى صفين كانت جهود الداعية المحرض لا جهود المقاتل المستبسل ، ومن آرائه المؤثرة أنه حين قتل عمار بن ياسر وتلجلج أصحاب معاوية وهم يذكرون قول النبى عليه السلام عن عمار : « تقتله الفئة الباغية » . فكان عمرو هو الذى حسم هذه الشكوك واللجلجة ، بأن قال : « إنما قتله من أخرجه » ، ومع أنها قالة مكشوفة الغرض والالتواء ، إلاَّ أن أصحاب معاوية قبلوها لأنهم كانوا يتلمسون أشباه هذه التأويلات !

      ومن حيل عمرو ، أنه كان على بغضه لعثمان ، وتحريضه عليه ، بادر إلى إظهار التفجع لمقتله والتحريض باسمه ، فإذا هدأت ثورة النفوس قال لمعاوية : « حّرك لها حوارها تحن » .. أى علق لهم قميص عثمان المخضب بدمائه حتى تهيج أحقادهم ، كما تدر الناقة إذا حركوا لها جلد حوارها ! ( والحوار هو صغير الناقة ) .

      وأشيع الأقوال ـ فيما أورد الأستاذ العقاد ـ أن عمرًا هو الذى أشار على معاوية برفع المصاحف على الرماح ، حين أطلت الهزيمة ووضحت معالمها ، ودعوة أنصار الإمام على إلى التحكيم ، وهى المشورة التى غيرت مجرى الأحداث وأنقذت معاوية من هزيمة محققة ، وأثارت الفرقة فى معسكر الإمام !

      ولم يؤثر عن عمرو أى جهد فى هذه الحرب من جهود الشجاعة والاستبسال ، حتى مبارزته للإمام علىّ ، فقد كانت « ورطة » عندما أشار على « معاوية » بأن يستجيب إلى دعوة علىّ للنزال حقنًا لدماء المسلمين ، ولكن معاوية تفطن إلى أنه مقضىٌّ عليه فى هذا النزال لما عرف عن الإمام من قوة وبأس صرعت كل من نازله ، هنالك دفع معاوية بعمرو ليتقدم هو للمبارزة ، فخرج مكرهًا متوجسًا من مصير محتوم ، فلما شَدَّ عليه على شدته المرهوبة ، رمى عمرو بنفسه عن فرسه ، ورفع ثوبه ، وحرف برجله فبدت عورته ! فصرف علىٌّ وجهه وانصرف عنه ، ونهض عمرو معفرًا بالتراب ، هاربًا  ليعتصم بالصفوف وهو لا يصدق أنه نجا ، ولا محل للتشكك فى هذه القصة بقالة ما عرف عن عمرو سلفًا من شجاعة ، فالظرف فيما أورد الأستاذ العقاد كان مختلفًا ، لأنه لم يسبق لعمرو قط أن بارز رجلاً فى قوة علىّ وبأسه ، فضلاً عن أنه لم يكن فى هذه السن حين شارك فى معارك أخرى .

      والذى لا خلاف عليه ، أن عمرًا اشتهر فى صفين بجهاد الحيلة والدعوة ، ولم يشتهر فيها بجهاد البسالة والبلاء !

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *