فى مدينة العـقاد (525) ـــ عمرو بن العاص (23)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

بعد مبايعة الإمام بالخلافة

 

    يورد الأستاذ العقاد أن علىّ بن أبى طالب بويع بالخلافة ، فمكث عمرو فلم ينصره ، ولم ينصر أحدًا من خصومه ، ولبث يترقب وينتظر ، حتى انحسر الميدان عن خصمين اثنين : علىّ ومعاوية بن أبى سفيان ، بعد أن زال عنه طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام ، فوجب أن يختار له طريقًا من الطريقين .  

    شاور معاوية أصحابه ، فأشار عليه أخوه عتبة بن أبى سفيان أن يستعين على أمره بعمرو ، وأن يثمن له بدينه . قال : « فإنه من قد عرفت . وقد اعتزل أمر عثمان فى حياته ، وهو لأمرك أشد اعتزالاً إلاَّ أن يرى فرصة » . فكتب له معاوية بفلسطين : « أما بعد ، فإنه كان من أمر علىّ وطلحة والزبير ما قد بلغك . وقد سقط إلينا مروان بن الحكم فى رافضة أهل البصرة ، وقدم إلينا جرير بن عبد الله فى بيعة علىّ ، وحبست نفسى عليك حتى تأتينى . أَقْبلْ أذاكرك أمورًا لا تعدم صلاح مغبتها إن شاء الله » ..

    استشار عمرو ولديه عبد الله ومحمدًا فيما يصنع ، فقال عبد الله : « قتل عثمان وأنت عنه غائب ، فقَّر فى منزلك ، فلست مجعولاً خليفة ، ولا تريد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أوشك أن تهلك فنشقى فيها » ، وقال محمد « إنك شيخ قريش وصاحب أمرها وإن تصرم هذا الأمر وأنت فيه خامل تصاغر أمرك . فالحق بجماعة أهل الشام فكن يدًا من أيديها .. » .

    قال عمرو : « أما أنت يا عبد الله فأمرتنى بما هو خير لى فى دينى ، وأما أنت يا محمد فأمرتنى بما هو خير لى فى دنياى ، وأنا ناظر فيه .. » .

    وروى أنه قلب رأيه فى الأمرين فقال : « إنى إنْ أتيت عليًّا قال : إنما أنت رجل من المسلمين ، وإنْ أتيت معاوية يخلطنى بنفسه ويشركنى فى أمره » .

    ولكنه ظل يتردد إلى ساعة السفر بعد ما عنّ له أن ينضوى إلى جانب الشام ، فدعا غلامه وردان فقال : ارحل يا وردان ! ثم صاح به : حط يا وردان . فقال له وردان ، وكان كما وصفوه داهيًا ماردًا : « خلطت أبا عبد الله ! أما إنك إن شئت أنبأتك بما فى نفسك » قال : « هات ويحك ! » قال : « اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : علىّ معه الآخره فى غير دنيا ، وفى الآخرة عوض من الدنيا ، ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة وليس فى الدنيا عوض من الآخرة . فأنت واقف بينهما » .. قال : « والله ما أخطأت ، فما ترى
يا وردان ؟ » قال : « أرى أن تقيم فى بيتك ، فإنْ ظهر أهل الدين عشت عند دينهم ، وإنْ ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك » ، .. فتأمل فى قول غلامه مليًّا ، ولكنه لم يقبل القرار فى بيته بعد دعوته ، وعول علىّ المسير فسار .

 

إلى معاوية بالشام

 

    قصد عمرو إلى معاوية بالشام ، ولم تكن بين الرجلين من قبل مودة ولا صحبة ولا مشاركة فى منفعة ، بل ربما كانا إلى التنافس والتنافر أقرب منهما إلى المودة والصحبة .

    حدث أبو حاتم ـ فيما أورد الأستاذ العقاد ـ أن معاوية « قدم من الشام ، وعمرو بن العاص من مصر ، على عمر بن الخطاب ، فأقعدهما بين يديه وجعل يسائلهما عن أعمالهما . إلى أن اعترض عمرو فى حديث معاوية ، فقال له معاوية : أعملى تعيب وإلى تقصد ؟ هلم تخبر أمير المؤمنين عن عملى وأخبره عن عملك . قال عمرو فعلمت أنه بعملى أبصر منى بعمله ، وأن عمر لا يدع أول هذا الحديث حتى يصير إلى آخره ! فأردت أن أفعل شيئًا أشغل به عمر عن ذلك ، فرفعت يدى فلطمت معاوية ! فقال عمر : تالله ما رأيت رجلاً أسفه منك . قم يا معاوية فاقتص منه . قال معاوية : إن أبى أمرنى إلاَّ أقضى أمرًا دونه ، فأرسل عمر إلى أبى سفيان ، فلما أتاه ألقى له وسادة ، وذكر حديث رسول الله : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه . ثم قص عليه ما جرى بين عمرو ومعاوية ، فقال أبو سفيان : لهذا بعثت إلى ؟ أخوه وابن عمه ! وقد أتى غير كبير ، وقد وهبت ذلك له ! » .

    وأقل ما فى هذه الرواية ومثيلاتها أن المنافسة بين الرجلين كانت ملحوظة لا غرابة
فيها  !    

    ويؤخذ من حديث روى عن عبادة بن الصامت أن الاجتماع بين معاوية وعمرو كان من نوادر الأشياء ، وأن اجتماعهما كان فى رأى الأخيار من علامات الأخطار ، فلما قدم عبادة بن الصامت عليهما بالشام ، جلس بينهما ثم سألهما : أتدريان لم جلست بينكما فى مكانكما ؟ قالا : نعم ، لفضلك وسابقتك وشرفك . قال : لا والله . ما جلست بينكما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مكانكما .. واستطرد فى الرواية إلى أن قال إن الرسول عليه الصلاة والسلام التفت يومها إليهم فقال : « إذا رأيتموهما اجتمعا ففرقوا بينهما ، فإنهما لا يجتمعان على خير أبدًا » !!

    ويرى الأستاذ العقاد أنه مع أن فى صحة هذا الحديث نظر ، إلاّ أنها أخبار تدل على مبلغ الصلة بين معاوية وعمرو ، وأنها لم تكن من الوثاقة والقرب بحيث تمنع مثل هذا المقال .

    فمعاوية لم يستقدم عمرًا لصداقة وصحبة قديمة !

    وعمرو لم يقدم على معاوية لشىء من ذاك !

    ولكنهما رجلان طموحان أريبان ، مثلهما لا يعادى إذا كان له فى الصداقة نفع ، ولا يصادق إذا لم يكن له فى الصداقة أرب !  

    فهما ملتقيان على تفاهم صريح بلسان المقال ، أو صريح بلسان الحال . وقد عرفا ولا جدال على أى وجه يتفاهمان منذ كتب هذا وأجابه ذاك .

    زعموا أن مساومة جرت بين الرجلين أول ما التقيا ، فسأل معاوية عمرا أن يتبعه ، فأقبل عمرو يسأله : لماذا ؟ أللآخرة فوالله ما معك آخرة ؟ إنما هى الدنيا نتكالب عليها ، فلا كانت حتى أكون شريكك فيها .. وأخذ معاوية يذكر ممالأة علىّ على قتل عثمان ، وأنه أظهر الفتنه وفرق الجماعة ، فقال عمرو : إنه وإنْ كان كذلك فإن المسلمين لا يعدلون به أحدًا ، وليست لك مثل سابقته وقرابته . ثم عاد يساوم مرة أخرى ، فسأل معاوية : ولكن ما لى إن شايعتك ؟ قال معاوية : حكمك . قال عمرو : اجعلْ لى مصر طعمة ما دامت لك ولاية . فتلكأ معاوية ولم يجبه . فحذره عتبة بن أبى سفيان العاقبة ، وقال له لائمًا : أما ترضى أن تشترى عمرًا بمصر ؟ إنْ صفت لك فليتك لا تغلب على الشام .

    فرضى معاوية بالصفقة ، واتفقا عليها .

    والذى لا مراء فيه ، أيًّا ما كان القول فى صدق هذا الحوار ، أو صحة كلماته ، أن الاتفاق بين معاوية وعمرو كان اتفاق مساومة ومعاونة على الملك والولاية ، بنصيب لكلًّ منهما يطمح أو يتطلع إليه .

    معاوية يطمح إلى الخلافة ويورثها ذريته من بعده .

    وعمرو يطمح إلى العودة إلى ولاية مصر ، وهى عنده تكاد تعدل الخلافة التى يعلم أنه
لا سبيل له إليها .

    وقد ساعد على هذا الاتفاق عوامل كثيرة أهمها أمران : أن عمرًا لم يكن على أمل فى شىء لدى الإمام علىّ إذا فسد الأمر على معاوية . وأن معاوية كان يدرك أنه يساوم شيخًا يدلف إلى الثمانين ويوشك أن يودع دنياه ، ومن ثم فإن ما سيربحه منه عائدٌ بعد ذلك إليه .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *