فى مدينة العـقاد (524) ـــ عمرو بن العاص (22)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

بين الإمـارتيـن

      الإمارتان اللتان يعينهما الأستاذ العقاد بهذا الفصل ، هما الإمارة على مصر ، من قبل عمر بن الخطاب فى المرة الأولى ، وبالاتفاق مع معاوية بن أبى سفيان فى المرة الثانية ، ولا تعنى كلمة « بين » عقد مقارنة لسياسة وإدارة عمرو لمصر فى كل من المرتين ، بقدر ما تعنى ما وقع من أحداث جسام بين تينك الإمارتين ، وهى المحز فيما يتجه إليه الكتاب فى هذا البـاب .

      كان عمرو بن العاص هو الذى أشار بفتح مصر ، وكان هو الذى نهض بالفتح ، وكل فتح له تأمين وتمكين ، وقد قام عمرو ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ بتأمين ذلك الفتح وتمكينه ، وهو غير مسبوق فيما تركه من آثار فى مصر حتى اليوم .

      ولم يضل عمرو عن حدود البلاد بعد أن سلمت له الإسكندرية وتتابع تسليم العواصم الأخرى ، ولاسيما تأمين الحدود الغريبة والجنوبية التى يمكن أن يأتى منها خطر .

      وقد أنصفه الخليفة عمر بن الخطاب ، وأحسن جزاءه بتوليته مصر بعد الفتح ، والقيام بتنظيم شئونها ، فأدى عمرو واجبه على خير وجه ، وكان من الولاة القليلين الذين طال عهده بالولاية فى خلافة الفاروق ، وقيل إن الفاروق استوصفه مصر ، فكتب إليه توصيفًا بالغ الدقة أورده الأستاذ العقاد بنصه كاملاً ، معقبًا بأنه إنْ لم يكن الوصف بنص كلامه ، فإنه لا مراء من صميم رأيه ، وأن الفاروق قد تلقى منه أصدق وصف لمصر ، كما أحسن قبول الحساب العمرى الذى كان يعامل الفاروق به كل ولاته وعماله ، وظل عمرو فخورًا بأن الفاروق مات وهو راضٍ عنه ، وبأنه لم يحاسب فى عهده بما لا يعجبه إلاَّ حسابه على مال الخراج ، وحسابه على غلطة طائشة لابنه محمد أراد أن يمد عقوبتها إليه لأن الابن تعدى بسلطان أبيه ، لولا أن أعفاه الشاكى بأنه استوفى قصاصه من الابن الذى آذاه ، أما الثالثة فكانت محاسبته على إعفائه عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب من بعض القصاص فى حد الشراب !

      وقد بسط الأستاذ العقاد هذه الوقائع الثلاث ، والإحالة بشأنها على الكتاب لا تنتقص من المغزى الذى عرضناه ، إلاَّ أن تكون آية على العدل العمرى ، وقد بسطنا ذلك فى تناولنا لكتاب « عبقرية عمر » .

      وقد أمضى عمرو نحو خمس سنوات واليًا لمصر فى خلافة عمر بن الخطاب ، يتولى له إدارتها وخراجها والدفاع عنها ، يساعده عبد الله بن سعد بن أبى سرح فى ولاية الصعيد ودفاع النوبة ، فلما قُبض عمر ، وذهب عمرو إلى المدينة لمبايعة عثمان بن عفان ، وكان أكبر همه أن يطلب منه عزل عبد الله بن سعد من ولاية الصعيد ، لأنه منافس قوى وجسور ، فَعزَّ عليه هذا المطلب ، واقترح عليه الخليفة عثمان أن يتولى شئون الحرب ويترك لعبد الله شئون الخراج ، فنفر عمرو من هذه المشاركة ، واعترض عليه ، وتعذر التوفيق فانتهى الخلاف بإقالة عمرو وإقامة عبد الله ـ وكان أخًا لعثمان فى الرضاع ـ ولاية مصر ، حربها وخراجها . وكان ذلك نحو سنة 27 هـ / 647م.

      ومما لا ريب فيه ، فيما يرى الأستاذ العقاد ، أن حاشية عثمان كانت تنفس على « عمرو » مكانه فى مصر ، وتخشى منه الخطر إذا رسخت قدمه فى الديار المصرية وظل قائمًا بالأمر إلى أن يمعن الخليفة فى الهرم ويؤذن عهده بانقضاء ، إذ ليس ببعيد أن يستقل عمرو يومئذ بإمارة مصر ، بل وقد يطمح إلى الخلافة ، وليس ببعيد ـ فيما يرى أيضًا ـ أن يكون قد شارك فى التحذير منه مروان بن الحكم ومعاوية بن أبى سفيان .

      ولعلهم لم يرجئوا عزل عمرو إلى حوالى سنة 27 هـ /647 م ، إلاَّ انتظارًا لمصير الفتنة التى نشبت فى الإسكندرية نتيجة انتفاض الروم وإرسالهم مددًا بطريق البحر بقيادة « منويل » الخصى من القسطنطينية ، ولذلك رجح الإبقاء على « عمرو » لدرايته بالقوم وهيبته فى نفوس الأعداء ، ثم تبين من كفاية عبد الله بن سعد بن أبى سرح فى كفاح الروم بشمال أفريقيا ما عزز مقامه وأبطل تلك الحجة ، فصحت له الولاية .

 

أثر العزل فى نفس عمرو

 

      لم يكن عمرو بالذى يحتمل هذا العزل أو يستكين إليه ! كما وأنه ليس بالرجل الذى يثور فى غير موضع الثورة ، أو يندفع إلى انتقام لا تؤمن عقباه . فقصاراه إذن أن يتربص الدوائر بالعهد كله ، وأن يترقب يومًا قدر أنه آت لا ريب فيه !

      وقد ترقب عمرو فى بيته بفلسطين ، عند ملتقى السبل بين الحجاز ومصر والشام والعراق ، وحيث يحرض من يحرض من عابرى تلك السبل وهو آمن .. وربما رحل بين الحين والحين إلى مكة والمدينة ليستطلع ويستوثق ويدفع الحوادث فى الطريق الذى يرتجيه ، ثم يكر عائدًا إلى مرفأه الآمن .

      ووشى به الوشاة إلى الخليفة ، فاستدعاه ، وأغلظ فى شتمه ، وراح يؤنبه ويقول له بأحد لسان وأشده : « يا ابن النابغة .. أتطعن على وتأتينى بوجه وتذهب عنى بوجه آخر ؟ » فتنصل عمرو وقال : « إن كثيرًا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل ، فاتق الله يا أمير المؤمنين » ، فعاد الخليفة يقول : « استعملتك على طلعك ( تطلعك ) وكثرة القالة فيك » فثار عمرو إلى فخره القديم : « لقد كنت عاملاً لعمر بن الخطاب ، ففارقنى وهو عنى
راض » .. قال عثمان : « لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت ، ولكنى لنت عليك فاجترأت !» .

      ومع هذا كان عثمان يبعث إليه فيستشيره كلما أعيته الحيلة وغلبته الحيرة فى حكومته ! فكان ينصحه بما يعلم أنه لا يضيره ولا ينفع الخليفة . يقول له : « … أرى أن تلزم طريقة صاحبك ـ أى الفاروق ـ فتشتد فى موضع الشدة وتلين فى موضع اللين . وأن الشدة تنبغى لمن لا يألو الناس شرًا ، واللين لمن لا يخلص بالنصح ، وقد فرشتهما جميعًا باللين » !

      بيد أن عمرًا لم يكن ليجهل أن طريقة عمر لا يصلح لها ولا يقدر عليها غير عمر ، وأن عثمان لا يستطيع أن يركب متن هذا الطريق ، وقد رُوى أن عثمان قال له يومًا : « لقد أمرت عبد الله بن سعد أن يتبع أثرك » ، فما توانى عمرو أن قال له : « لقد كلفته شططًا !! »

      وتدرج فى الجرأة على عثمان ، كلما تدرجت الفتنة فى التفاقم والاستفحال : ففى مجلس الشورى الذى جمعه عثمان سأله : ما رأيك ؟ فلم يبال أن يجيبه أمام صحبه : « إنك قد ركبت الناس بمثل بنى أمية ، فقلت وقالوا ، وزغت وزاغوا ، فاعتدل أو اعتزل ، فإن أبيت فاعتزم عزمًا وامض قدمًا » .. ولكنه اجترأ هنا وأبقى للحيطة بقية ، فانتظر حتى تفرق المجلس ، وخلا بالخليفة فأقبل يعتذر إليه بينه وبينه : « لا والله يا أمير المؤمنين لأنت أكرم على من ذلك ، ولكنى قد علمت أن بالباب قومًا قد علموا أنك جمعتنا لنشير عليك ، فأحببت أن يبلغهم قولى فأقود لك خيرًا وأدفع عنك شرًا » !

      كان يقول هذا وأشباهه ، وفى دولة عثمان أمل يضعف يومًا بعد يوم ، فلما أوشك هذا الأمل أن ينفد صاح به فى المسجد : « اتق الله يا عثمان ! فإنك قد ركبت أمورًا وركبناها معك ، فتب إلى الله نتب » !

      ثم ترك الفتنة وأوى إلى مينائه بفلسطين ، يتلقى الركبان ويسأل منهم كل عابر ينفعه سؤاله . فمر به راكب من المدينة فاستخبره خبر عثمان فقال : محصور ! .. ثم أعقبه راكب آخر فقال : قتل عثمان . فيروى رواة الخبر أنه صاح يومئذ : « أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحة أدميتها » .. ثم قال : « والله إنى كنت ألقى الراعى فأحرضه على عثمان » !

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *