فى مدينة العـقاد (522) ـــ عمرو بن العاص (20)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الحالة الإدارية والسياسية فى مصر 

      وهذا بدوره فصلٌ يبدو ـ ظاهريًا على الأقل ـ خارج « سيرة عمرو » التى هى موضوع الكتاب ، بيد أن استقصاء الحالة الإدارية والسياسية التى كانت سائدة فى مصر عند مقدم المسلمين إليها بقيادتة ، لازمة لتقدير سياسته هو بعد أن استقرت الأمور تحت قيادته .

      ويورد الأستاذ العقاد تعريفًا طويلاً بالتقسيمات الإدارية التى عرفتها مصر من أيام الأسر الفرعونية الأولى ، والتى أحصاها « سترابون » بستة وثلاثين قسمًا مما نسميه اليوم بالمديرية أو المحافظة ، وزادت هذه الأقسام على الأربعين بعد عهد « سترابون » .

      وإلى جانب هذه التقسيمات كانت هناك أقسام أكبر ، تلاحَظَ فى تخطيطها الدواعى العسكرية والسياسية ، أو دواعى الدفاع واجتناب النزاع على الإمارة ، وأقدم هذه الأقسام مصر العليا ومصر السفلى ثم زيدت عليها مصر الوسطى ، وتفرعت مصر السفلى إلى فرعين : شرق الدلتا ، وغرب الدلتا . ووجد فى بعض العصور قسم آخر يضم الواحات وطرفًا من الأرض الليبية ويتصل بالفيوم وبالإسكندرية .

      وقد تحللت هذه التقسيمات جميعًا وكادت تندثر أو تختلط بينها التبعات فى عهد الإمبراطورية الرومانية الشرقية .

      فقد بطلت الحاجة إلى الدفاع عن مصر شرقًا وغربًا ، لأنها كانت محاطة من الجهتين بأملاك الإمبراطورية فى فلسطين وليبيا وشمال أفريقيا ، وبطلت الحاجة إلى الدفاع جنوبًا لأن نجاشى الحبشة كان على عهد مع عاهل القسطنطينية أن يتعاونا على حرب الفرس وإخراجها من اليمن .

      وعلى ذلك فلم تبق من حاجة إلى الدفاع فى غير الإسكندرية ، وكان المقصود بحاميتها الدفاع البحرى الذى تعززه الحاجة إلى أسطول للنقل والحماية .

      وقد أدى إهمال الدفاع إلى تعجيز الحاميات ، ولجوء بعض السراة من أصحاب الضياع الكبيرة إلى اتخاذ الجند من أتباعهم وزراعهم وحاشيتهم ، ولم يمض وقت طويل حتى نجم الخطر من هذه الفرق التى لا تدين بالطاعة لقائدٍ واحد ، فعاثت فى الأرض فسادًا ، وخيف منها على الوادعين المسالمين ، وصارت شرًّا عليهم من عصابات اللصوص وقطاع الطرق.

      وآل الغرض كله من التقسيمات الإدارية إلى جمع الضرائب والأزواد المقررة للدولة فى كل سنة زراعية .

      ولم يكن لهذه الضرائب نظام واحد ولا مقدار محدد معروف ، ودل تضارب أقوال وأوراق المؤرخين على هذا الاختلاط فى سياسة الضرائب ، فاختلفت فى ضريبة الأرض ، وفى ضريبة الرؤوس ، وذهب البعض إلى نفى الخبر المتواتر عن وجود ضريبة للرؤوس فى مصر على عهد الدولة الرومانية ، واتفق البعض على أن ضريبة الأطيان هى ضريبة الرؤوس التى اتخذت أساسًا لتحصيل الجزية بعد الفتح العربى .

      وعلى هذا لم يكن مقدار الخراج محددًا فى كل سنة ، بل كان تحديده على حسب المحصول المنظور فى أيام فيضان النيل ، ويصدر به بيان سنوى من الوالى الرومانى خلال شهر يوليو أو أغسطس ، ويبلغ إلى الأقاليم فى الشهرين التاليين ، ويتولى كل إقليم توزيع المقدار المطلوب منه على القرى والبلاد كما يرون ـ لصاحب السلطة العليا فى الإقليم .

      كما كان المطلوب من الأرض يختلف على حسب الجودة والصنف المزروع تبعًا للمتاح لكل منها من الرى .

      ولم يكن يعنى الدولة الرومانية إلاَّ تجميع المقدار المقرر فى حسابها ، ولا يعنى الموظفون إلاَّ إرضاء الدولة ، وربما تسابق الملاك الكبار والرؤساء المحليين فى تحصيل الضرائب للدولة طلبًا للكسب والنفوذ .

      فقد كان النظام المتبع مع كبار الملاك أن يؤدوا ضرائبهم إلى خزانة الدولة مباشرة ، بغير جباة أو وسطاء ، وكان ذلك مرضيًا للطرفين وفقًا لأغراض كل منهما ، وكان من أغراض كبار الملاك اكتساب الجـاه فى دواوين الدولة بما يمكنهم من تسخير العمال المستأجرين والاستعانة عليهم بسلطان الحكومة للبقاء فى الأرض مكرهين .

      أما الدولة البيزنطية ، فكان من أغراضها من وراء هذه الإجراءات الإدارية ، إثارة الشحناء بين سراة البلاد وأصحاب المناصب الكبرى ، وضرب بعضهم ببعض ، فتأمن الدولة على سلطانها منهم .

      ويغلب على اعتقاد الأستاذ العقاد فى شأن المقوقس ، أنه لم يكن واليًا مفوضًا فى أمر الخراج كما خطر لبعض المؤرخين ، وإنما كان مالكًا كبيرًا من أبناء البلاد يتكفل للدولة بحصته وحصة عملائه وأتباعه ، وأن الدولة الرومانية كانت تعترف بوجاهته وتستفيد منها مثلما تصنع بريطانيا ـ فى القرن الماضى ـ فى الهند مع الراجات وأمراء الولايات .

      ولم تكن ضريبة الأرض أو ضريبة الرؤوس هى كل ما تطلبه الدولة الرومانية بين رعاياها المصريين ، بل كانت هناك ضرائب أخرى كثيرة على المقتنيات الثابتة والمنقولة ، أحصى منها « ميلن » فى تاريخه لمصر فى ظل الحكم الرومانى ـ أنواعًا شتى ، كضريبة الإصلاح والترميم التى تجبى لإقامة الجسور وتطهير المسالك والأحواض ، وضريبة البيوت والمساكن ، وضريبة الحيوانات كالخيل والجمال والحمير ، وضريبة الصناعات والمتاجر ، وضريبة عامة تسمى ضريبة التاج ، وقد كانت هذه الضرائب على اختلاط حسابها ومواعيدها وتقديرها وتحصيلها ـ مصدرًا دائمًا للقلق والشكاية .

      واقترنت هذه الحالة فى القرن السادس فيما يبدى الأستاذ العقاد ـ بتدهور العملة الرومانية ، واختفاء العملة جملة من الأسواق المصرية .

      وبين هذه الأزمات والشكايات يسمع القوم عن نظام الفاتحين فى البلاد المجاورة ، ويعلمون أنه يقصر الضريبة على ضريبة الرؤوس للذميين وضريبة العشر للمسلمين ، ودون ما خراج مستقل من الضريبتين . (يتبع)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *