فى مدينة العـقاد (521) ـــ عمرو بن العاص (19)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

تابع الحالة الدينية فى مصر

     حينما تقدم المسلمون لحرب الدولة الرومانية ، شاع فى المشرق كله أن هزيمتها حق ،  وأن غلبة المسلمين عليها عدل ، وأن هذا قضاء إلهى مستحق .

     وربما نفر الخاضعون للدول الرومانية من هذا القضاء لو أنه أصابهم كما أصابها ، بيد أنهم وجدوا الفاتحين يؤمنونهم من حيث كانوا يخافون ، ويبيحون لهم ما كان محظورًا عليهم أيام دولة الرومان .

     كانت مدينة غزة أول المدن الكبرى من أرض فلسطين التى دخلها المسلمون وسيطروا عليها ، وجاء بمجلة المشرق اليسوعية فى سنتها الثانية ما نصه : « إنه كان يسكن وقتئذ فى جنوب غزة  قوم من قبائل العرب المتنصرين ، وكان قد أصابهم من ولاة الروم عسف وجور فى المعاملات ، فالتجأوا إلى عساكر المسلمين ، ودعوهم إلى فلسطين فلبوا دعوتهم ، وزحفوا على غزة فى اليوم الرابع من شهر شباط ( فبراير) عام 634 م ، وظفروا بجيش الروم ، وفتحوا المدينة … ، وبعد أيام قليلة أتمّوا فتح باقى فلسطين » .

     وقال « ماير Mayer » فى تاريخ مدينة غزة : « إن سكانها المسيحيين خرجوا مع جيش الروم عندما حاصرها العرب ، إلاَّ أنهم عادوا إليها بعد اطمئنانهم للفاتحين ، ودخل فريق كبير منهم فى الإسلام ، وذهب المتكلمون عنهم إلى عمرو بن العاص يطلبون منه قسمة الكنائس بينهم ن فقسمها بينهم على حسب عددهم ، وأعطى الكنيسة الكبرى لأصحاب العدد الأكبر وهم المسلمون ، وأبقى الكنيسة الأخرى لمن بقى على دينه من المسيحيين » .

     وسرت الأنباء من غزة إلى الديار المصرية ، وكان فيها وما حولها طائفة من الجنود المصريين والمتمصرين الذين كان هرقل وقائده فى ميدان فلسطين قد استنجد بهم ، فى الوقت الذى كانت ترد فيه أنباء العهود التى اتفق عليها المسلمون ونصارى العراق والشام ، وأستأذن فى إضافة ورود نبأ العهد العمرى الذى أعطاه عمر بن الخطاب لنصارى بيت المقدس سنة 16 هـ / 637 م أى قبل ثلاث سنوات من قدوم عمرو إلى مصر سنة19هـ / 640م ، وعلى ذلك فلم يكن هناك ما يدعو أبناء مصر إلى مؤازرة الدولة الرومانية ، وبدا وكأن نصر المسلمين هو قضاء الله وعدله ،

*         *         *

     ولفهم التاريخ ينبغى علينا ـ فيما أورد الأستاذ العقاد ـ أن ننظر إليه بعين المعاصرين ، وأن نشعر بحوادثه كما كان هؤلاء يشعرون بها ، وأن ندخل فى حسابنا ما دخل فى حسابهم  من تقديرات  ومعايير ، وقد كان معلوما من التوراة وأصول الديانة المسيحية ، أن العرب أبناء إسماعيل بن إبراهيم وهاجر ، وعلى ذلك فالعرب من أبناء إسماعيل وهاجر أقرب إلى أبناء مصر من الروم ، سيما وقد كان من المقدمات المعروفة ما جرى تبادله من رسائل بين الرسول عليه السلام والمقوقس ، أو عظيم القبط كمسمّاه فى تلك الرسائل .

     قال حاطب بن بلتعة حامل رسالة النبى إلى المقوقس ، إننى قلت له :

     « كان قبلك رجل ـ يعنى فرعون ـ زعم أنه الرب الأعلى فانتقم الله به ، ثم انتقم منه ! فاعتبر بغيرك ، ولا تعتبر بك ! وإن لك دينًا لن تدعه إلاَّ لما هو خير منه ، وهو الإسلام الكافى الله به فقد ما سواه ، وما بشارة موسى بعيسى إلاَّ كبشارة عيسى بمحمد ، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلاَّ كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل ، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ، ولكننا نأمرك به »

     قال حاطب : ثم تناول المقوقس كتاب النبى فقرأ فيه : « بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول إلى المقوقس عظيم القبط . سلام على من اتبع الهدى . أما بعد ، فإنى أدعوك بدعاية الإسلام ، فأسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين . يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئًا ، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله ، فإن تولوا فقولوا إشهدوا بأنا مسلمون » …

     ثم قال المقوقس كلامًا عن صفات النبوة ، منها : « إنه يركب الحمار ، ويلبس الشملة ، ويجتزئ بالثمرات والكسر ، ولا يبالى من لاقى من عم ولا ابن عم » ، وإنه كان يظن أن مخرجه من الشام ، فمن هناك كانت تخرج الأنبياء ، وكتب الجواب فجعل عنوانه « لمحمد عبد الله من المقوقس عظيم القبط … »

     وورد فى بعض الأخبار أن المقوقس أراد أن يمتحن دعوى النبوة بالهدية ، فأرسل هدية معها صدقة ، لأن الأنبياء تقبل الهدايا ولا تقبل الصدقات ، وجعل الهدية جاريتين أختين ليرى هل يجمع بينهما أو يتورع عن الجمع بين الأختين ، فكان أن أهدى النبى إحدى الجاريتين وبنى بالأخرى ، وأنه وزع الصدقة على الفقراء …

     ويرى الأستاذ العقاد أن مثل هذه الأخبار يوجبها فهم التاريخ كما حدث أو كما ينبغى أن يحدث ولا ترفضها إلاَّ الحذلقة .

     كما وأن المسلمين  قد جاءوا إلى مصر وفى ذاكرتهم ما تبادله نبيهم عليه السلام مع عظيم القبط ، وإنجابه ابنه إبراهيم من مارية القبطية ، ووصية النبى عليه السلام إليهم بأنه « إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندًا  كثيفًا ، فهم خير أجناد الأرض » ، فلما
سأله أبو بكر أجابه عليه السلام : « لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة » وقال :
« ما كَادهُمْ أحدٌ إلاَّ كفاهم الله مؤنته » ، إلى ما جاء بالقرآن الكريم عن قوم يوسف :
« ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ »
( يوسف 99 ) .

      وهذه وغيرها من الوصايا القرآنية والنبوية ، كانت فى أذهان المسلمين القادمين إلى مصر ، تجنح بهم إلى المسالمة والمؤامنة فى معاملة أهلها ، وتضع الروم عندهم فى موضع فرعون الذى تجبر وفرق رعيته شيعًا ، وتوافق ذلك مع ضيق المصريين من طغيان الروم ، وما لحق بهم من مظالمهم ، وما ثار من خلافات دينية مستعرة ، قبل دخول الدولة الرومانية فى المسيحية ، وبعد دخولها فيها ، والشقاق الذى حدث حول طبيعة السيد المسيح عليه السلام ، الأمر الذى أسلس إلى التصالح والأمان اللذين تواترت عليهما التواريخ بين المسلمين والمصريين ، وعلى ذلك فلم يسلم من أسلم من المصريين كرهًا ، وإنما أسلموا طوعًا غير مكرهين ، على ما أورده الأستاذ العقاد نقلاً عن رواية « يوحنا النخيوى » ، أم استخلاصًا من فهم البعض أن انتصار المسلمين على الفرس والروم آية إلهية وبرهان من السماء على صحة الدين وسلامة الدعوة  .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *