فى مدينة العـقاد (520) ـــ عمرو بن العاص (18)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

تابع الحالة الدينية فى مصر 

     وحين دانت الدولة الرومانية بالمسيحية ، لم يتوقف هذا الخلاف أو النزاع بين القسطنطينية وروما من جهة ، وبين الإسكندرية من الجهة الأخرى ، حيث كان الجانب القومى فى مصر لا يزال على حماسته الأولى ، بل صار أشد وأقوى لازدياد طغيان الدولة الرومانية بعد تحولها عن دين رعاياها .

     وعلى ضوء هذا الفارق ، ينبغى النظر أيضًا إلى نتائج المجامع الدينية التى انعقدت فى صدر المسيحية ، فقد كان سلطان القسطنطينية أو روما ، يقابل بالمقاومة فى الإسكندرية ومن يدينون بمذهب كنيستها .

     وكان سلطان الرأى العام فى مصر مرهوبًا يخشاه مخالفوه والمارقون عليه ، وكان الأساقفة المصريون فى مجمع « خلقيد ونية » يرتعدون فرقًا من العودة إلى بلادهم بغير ما فوضهم فيه المصريون .

     ومن التهم التى وجهت إلى البابا « أثنا سيوس » السكندرى (296 ـ 373 قبطى ) ، يتضح مدى المكانة الدينية والدنيوية التى بلغها رؤساء الكنيسة فى مصر أيام مكانة الإمبراطور نفسه فى القسطنطينية ، فقد اتهم البابا « أثنا سيوس » بأنه لم يكف عن مناقضة قسطنطين وقسطنطينيوس ويوليان وفانس ، وكان « يوليان » ( المرتد ) يسميه بالمشاغب البغيض . وقد سأله قسطنطينيوس مرة : « لماذا لا تأذن بإقامة الكنيسة الآرية فى الإسكندرية ؟! » ـ فأجابه البابا « أثنا سيوس » السكندرى : «إننىسآذن بها يوم تأذن أنت بإقامة كنيسة أرثوذكسية فى أنطاكية ! » .

     وكانت اللازمة التى لا فكاك منها ، تبرز على الأثر كلما اجتمعت الأسباب اللاهوتية والأسباب القومية فى جانب واحد ، فبهذه الغيرة الدينية والحماسة القومية ، اعتصم المصريون زمنًا فى وجه الدولة الرومانية ، سواء قبل إيمان هذه الدولة بالمسيحية ، أو بعد إيمانها بها  .

      وقد اضطُهد المصريون من الرومان فى الحالين ، وكان من مضطهديهم
قياصرة كالفيلسوف ماركوس أورليوس ، وقياصرة لا يفقهون ولا يفكرون مثل كاراكلا
ودقلديانوس . ولم يكن الاضطهاد الدينى خلوًّا من شوائب السياسة وعوامل الثورة القومية .

     ولم يسع حكومة القسطنطينية إلاَّ أن تعترف بالحقيقة الواقعة ، وأرادت أن تستفيد منها لإرضاء الشعب المصرى المحكوم واتقاء التمرد من ولاة الرومان الطامحين .

     ومن أمثلة الاسترضاءات ، أن حكومة الرومان كانت تمنح بعض الزعماء المصريين حقوق الرعاية الدينية والرئاسة الحكومية  .

     وكان الوضع الدينى فى أوائل القرن السابع للميلاد ، محدودًا مقررًا بين الكنائس الثلاث فى المشرق والمغرب والإسكندرية .

      هذا وكان الأساقفة المصريون قد تمكنوا من بسط آرائهم فى مجمع « نيقية » برئاسة البابا الإسكندر وتلميذه الكبير أثناسيوس ، فأقروا العقيدة المسيحية كما اتفق عليها الأساقفة الذين شهدوا المجمع ، ورعوها فى مصر وفى بلاد القيروان وما حولها من المدن الأفريقية .

     وقد نَفَسَ عليهم رؤساء القسطنطينية هذا النفوذ ، وأرسلوا « آريوس » إلى الإسكندرية بأمر الإمبراطور ، فقاطعه الشعب المصرى وأوصد فى وجهه أبواب كنائسه ، وكذلك فعل مع البطرق « جريجوريس » الذى أقامه الإمبراطور مقام البطرق أثناسيوس المصرى بالإسكندرية ، فلم يحضر صلواته ولم يعترف بوجوده وأهمله حتى مات فى عزلة بين رعاياه !

     فلما انعقد بعد ذلك مجمع  « خلقيدونية » ، رجحت فيه كفة روما والقسطنطينية ، وأهملت كنيسة الإسكندرية ، فوقع الانقسام بين الملكيين التابعين لمذهب إمبراطور ، وبين المصريين التابعين لمذهب كنيستهم ، وقيل عنهم يومها إنهم « يعقوبيون » لأنهم تلقوا من « يعقوب البرادعى » تلميذ البطرق المصرى ـ تلقوا عنه تفصيل العقيدة التى يؤمن بها ويوصى باتباعها .

     بيد أن جوهر التفرقة بين المذهبين ، هى التفرقة بين القول بطبيعة واحدة للإله ، وبين القول بطبيعتين : لاهوتية ، وناسوتيه .

     وقد توسط بعض الرؤساء الدينيين لحسم الشقاق ، بترك الخلاف على الطبيعة والطبيعتين ، ووصف الإله بأنه « ذو مشيئة واحدة » ، على تقدير أن ذلك سوف يرضى المصريين ، لأن ذلك يرادف القول بالطبيعة الواحدة ، ولا يسخط أصحاب القول بالطبيعتين لأنهم يقولون إن الطبيعتين تتفقان فى المشيئة الإلهية .

    إلاَّ أن هذا التوفيق ، فيما يضيف الأستاذ العقاد ، لم يحسم الشقاق ، ولم يكن له من أثر سوى تجديد النقاش فى صورة أخرى ، بإثارة الخلاف على الفرق بين الطبيعة والمشيئة !

*          *          *

     هذا وحينما فرغ هرقل من حرب الفرس وقبائل البرابرة ، بالانتصار على الفرس ومهادنة القبائل ، تفرغ « للمعاندين المنشقين » ، وغره النصر فأمعن فى طغيانه ، وغالى فى مطالب الطاعة من رعاياه ، فكان أن انقسمت الدولة إلى « ملكيين » و« خارجين على الملك » ، وتبادل الفريقان التهم العنيفة المشتطة !

     ولم ينحصر النزاع ، فيما يضيف الأستاذ العقاد ، بين الملكيين وجملة المصريين ، بل ظهرت الخلافات بين الآريين والنسطوريين والأطاحنيين والشيوبسقيين اتباع بطرس القصار ، وغيرهم من أصحاب النحل المتقاربة أو المتباعدة فى تفسير الشكوك ، وانهارت الأخلاق وساءت القدوة ، وقد صور بعض أبناء العصر شعورهم فى أقوالهم وأخبارهم ، فاتفقوا على الشعور بالغضب الإلهى ، وانتظار الجزاء العادل من الله .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *