فى مدينة العـقاد (519) ـــ عمرو بن العاص (17)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الحالة الدينية فى مصر

    قد يبدو للنظرة العجلى أن الأستاذ العقاد قد توسع أكثر من اللازم فى تحقيق شخصية المقوقس كما رأينا , وتوسع أكثر من اللازم فى دراسة الحالة الدينية فى مصر كما سوف نرى , فى كتاب ليست مصر موضوعه , وأن هذا التوسع لا تقتضيه دراسة سيرة « عمرو بن العاص » وهى موضوع الكتاب .

     إلاَّ أن النظرة المتمعنة سوف تدرك غاية الأستاذ العقاد من هذا التوسع والتحقيق والتعمق , فهذان الجانبان اللذان توسع فيهما وتعمق , يتصلان اتصال لزوم بقضية مثارة , هل كان دخول مصر غزوًا قسريًّا رغم أنف أهلها وعدم رضائهم , أم أنه كان فتحًا امتزج فى مصر برضاء المصريين وتصالحهم لأحوال ضاقت بها صدورهم وملت نفوسهم من حكم الرومان وجورهم وعسفهم , ويتصل بذلك شخصية « المقوقس » المصرى الذى عَبَّر تعبيرًا صادقًا وحقيقيًّا عن رغبة المصريين وتوجههم وترحيبهم بالتصالح , كما وأن استطلاع أسباب هذا الضيق المصرى من حكم الرومان , ينبع من الحالة الدينية التى لم تكن على « وفاق » ولا تراض بين المصريين وتوجهاتهم الدينية , وبين الرومان الذين كانوا على توجه مضاد سواء قبل اعتناق قسطنطين والرومان للمسيحية , أم بعد اعتناقهم لها , لأنه بقيت مسألة فى غاية الأهمية كانت مثارًا لصراع عميق بين الكنيسة الوطنية والمصريين من ناحية , وبين الكنيسة البيزنطية والرومان , تتعلق بطبيعة السيد المسيح عليه السلام , وخلط الإمبراطور الرومانى وأتباعه بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الإلهية والمصطلح على الإشارة إليها بالناسوت واللاهوت , وهو ما لم ترفضه الكنيسة فى عاصمة الدولة الشرقية , ولا فى عاصمة الدولة الغربية , ولم ترفضه كذلك كنيسة أنطاكية كل الرفض , الأمر الذى أسخط الأمة المصرية سخطًا شديدًا على الدولة الرومانية , لإيمانهم والكنيسة الوطنية على رأسهم بالطبيعة الواحدة للسيد المسيح عليه السلام , وأنوفهم من القول بالطبيعتين  , وهو أمر لم ير الأستاذ العقاد ـ وهو على حق ـ أن يدلى بدلوه فيه خاليًا من الدراسة المتعمقة التى تصل إلى حقيقة هذا الخلاف وأسبابه وأثره مدعومة بالأدلة . ولم يكن « المقوقس » الذى توسع الأستاذ العقاد فى تحقيق شخصيته , بعيدًا عن ذلك مثلما لم يكن بعيدًا عن المصريين الذين ينتمى إليهم , فضلاً عما فى تحقيق شخصيته التى كثر فيها الخلاف والتحايل , من أهمية أخرى تتعلق بمراسلة النبى عليه السلام له , وجوابه عليه , جوابًا مشفوعًا بما أهداه إليه فضلاً عن إرساله إليه مارية القبطية وأختها وعبد لهما , ومن مارية أعقب ابنه إبراهيم الذى توفى نحو الثانية من عمره كما مَرَّ بنا , الأمر الذى بدا منه أن التوسع فى تحقيق شخصية المقوقس لم يخرج لا عن غرض دراسة شخصية عمرو , ولا كيفية دخول مصر , ولا ما اتصل بالسيرة النبوية التى كان عمرو أحد كبار الصحابة فيها منذ أسلم فى العام الثامن للهجرة .

    ومن حق الأستاذ العقاد أن نقر له بأن دراسته لأى موضوع , لا تترك شاردة ولا واردة إلاَّ وأحاطت بها , وتتميز بعراضة البحث وعمق النظر وقوة الحجة , وهو قد التزم بذلك فى دراسته للحالة الدينية فى مصر , كما إلتزمها على النحو الذى أوجزناه فى تحقيقه لشخصية المقوقس .

    ومن المأثورات المتواترة , فيما أورد , أن المسيحية انتشرت فى مصر خلال القرن الأول للميلاد , وأن الرسول « مرقص » الإنجيلى تولى نشرها فى الصعيد , ثم فى مصر العتيقة والإسكندرية , وتتفق أقوال الأكثرين من الشراح الشرقيين على أن « بابل » المشار إليها فى أعمال « بطرس » الأولى من العهد الجديد , هى « بابلون » الواقعة إلى جوار الفسطاط ومصر العتيقة .

    ويؤخذ من سيرة مرقس المتداولة بين أبناء الكنيسة المصرية أن المسيحية سبقته إلى مصر , والقول الأشهر أنه كان أصلاً من يهود القيروان , ثم قدم مع أهله إلى بيت المقدس أيام ظهور السيد المسيح عليه السلام , فكانوا من أسرع اليهود إلى تلبية الدعوة المسيحية , وكان خاله « برنابا » وأبوه « ارستوبولس » من المسيحيين الأوائل , وفى منزلهم حضر السيد المسيح وليمة الفصح , وهو المنزل الذى كان يتردد عليه التلاميذ قبل أن ينتشروا فى البلدان والأقطار .

     وقد أختار مرقس وطنه  فى أفريقيا الشمالية للتبشير فيه , بعد أن صاحب بولس الرسول , ثم صاحب بطرس بعد مقتل بولس . والمتواتر أنه كتب إنجيله باللغة اليونانية الشعبية , لأنها كانت أقرب إلى فهم الخاصة والعامة من اليهود واليونان وأبناء البلاد المصرية , ثم أنشأ بالإسكندرية مدرسة لاهوتية , وطفق يتردد بينها وبين وطنه الأول بالقيروان , إلى أن توفى سنة 68 للميلاد ودفن بالإسكندرية , وظل جسده مدفونًا بها إلى أن سرقه أناس من البحارة البندقيين فى القرن التاسع للميلاد .

    هذا وقد ثبت أن أقدم الأساقفة الذين لقبوا بلقب « البابا » كانوا فى كنيسة الإسكندرية ، واعترف لهم بهذا اللقب أعضاء مجمع « نيڤية »الذى عقد فى منتصف القرن الرابع للميلاد .

    وقد كانت السمة الغالبة على المفكرين الدينيين ، منذ القرن الثانى قبل الميلاد إلى القرن الثانى بعد الميلاد ، هى فيما يورد الأستاذ العقاد ـ شيوع التفرقة بين « العقل والهيولى » أو بين « الروح والجسد » ، فى جميع المذاهب التى ظهرت بين أرجاء الدولة الرومانية ، ومحور هذا المذاهب عامة لا يخرج عن نطاق مدينة الإسكندرية .

    فقبل الميلاد كانت طائفة من المتنسكين المتنطسين ، تقيم فى أطراف الصحراء على مقربة من الإسكندرية ، ويعرفون بين الناس باسم « المتطببين » ، ومنهم على الأرجح طائفة الآسين أو الآسينيين ، وأتباعها هم ألد أعداء الدولة الرومانية بين اليهود !

    وبعد المسيحية ظهرت طائفة « المعرفيين » وظهر أتباع « أفلوطين » الفيلسوف (وهو غير أفلاطون) ، وظهرت طائفة « المشبهين » التى تنكر أشد الإنكار أن يكون السيد المسيح قد تجسد فى جسد المادة ، وإنما هو كيان شبيه بالمادة فى النظر وليس منها فى الحقيقة .

    والمهم أنه حين شاعت المسيحية وانتشرت فى الشرق وفى مصر خاصة ، كانت بمثابة احتجاج روحانى على السيطرة الرومانية ، ويمكن تقسيم العالم الرومانى آنذاك إلى قسمين : قسم توافقه عبادة الإمبراطور التى تقبل الخلط بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الإلهية على صورة من الصور ، وقسم آخر لا توافقه عبادة الإمبراطور ، وهم الرعايا الساخطون على السيطرة الأجنبية ، وكانت نفوسهم تنفر غاية النفور من الخلط بين الطبيعتين : الإنسانية (الناسوت) والإلهية (اللاهوت) .

    والأمة المصرية كانت أشد الأمم سخطًا على الدولة الرومانية ، وأشدها تقبلاً للديانة المسيحية ، ثم أشدها إنكارًا بعد ذلك للقول بالطبيعتين ، وهو القول الذى لم ترفضه الكنيسة فى عاصمة الدول الرومانية الشرقية ، ولا فى العاصمة الغربية ، كما لم ترفضه كنيسة أنطاكية كل الرفض لأنها كانت البَرْزج (الحاجزين بين شيئين) بين القساوسة الأوروبيين والقساوسة الشرقيين .

    ولم يكن هذا النفور راجعًا فيما ظن البعض إلى الفارق بين النفس الشرقية والنفس الغربية ، وإنما كان مرده إلى الموقف بين عبادة الإمبراطور : نفورًا ورفضًا ، أو ترخصًا وإغضاءً ، ولهذا كان بين الشرقيين من يقولون بالطبيعتين ومنهم فريق من المصريين ، بل كانت قبائل القوط والتيتون تدين بمذهب « آريوس » وتقبل عليه من ناحية التفرقة بين ربوية « الآب » التى لا مثيل لها ، وربوية « الإبن » التى خلقها « الآب » ولم تكن قائمة منذ الأزل .

    وعند البحث فى الفوارق بين المذاهب ، ينبغى فيما يورد الأستاذ العقاد ـ أن نذكر هذا الفارق فى مقدمة الفوارق النفسية والعقلية التى قسمت الدولة الرومانية من حيث التنزيه والتوحيد إلى قسمين : قسم السادة الذين لا يسخطون فى قرارة ضمائرهم على الخلط بين الطبيعتين الإنسانية والإلهية ، وقسم الرعايا المضطهدين الذين امتلأت ضمائرهم سخطًا على هذه العقيدة .

    هذا ومصدر القوة الكبرى التى اشتهرت بها المسيحية المصرية وجعلتها ندًّا مصاولاً للدولة الرومانية ، هو أنها كانت قوة تمتزج فيها العقيدة الدينية والحماسة الوطنية . (يتبع)                         

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *