فى مدينة العـقاد (518) ـــ عمرو بن العاص (16)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

تابع المقوقس

      ومن المراجع التى جاء فيها ذكر المقوقس ، ويعرض لها الأستاذ العقاد ، كتاب
« سير البطاركة » تأليف « ساويرس بن المقفع » أسقف الأشمونين ، وجمعه المؤلف من أوراق الأديرة ، وجاء به عن « البطرق بنيامين » ، أنه خرج من الديارات بوادى هبيب
( النطرون ) ، ومضى إلى الصعيد حيث أقام مختفيًا عشر سنوات فى دير صغير فى البرية ، وهى السنين التى كان فيها هرقل والمقوقز متسلطين على ديار مصر ، إلى أن أرسل خليفة المسلمين  مع أمير من أصحابه يسمى عمرو بن العاص فى سنة 357 (قبطية) « لدقلد ديانوس » قاتل الشهداء ، فنزل عسكر الإسلام  بقوة عظيمة فى الثانى من بؤونة ، وكان الأمير عمرو قد هدم الحصن ، وأحرق المراكب ، وأذل الروم ، ومَلَك بعض البلاد ، وأخذ الجبل حتى وصلوا إلى قصر مبنى بالحجارة بين الصعيد والريف يسمى « بايلون » ، فضربوا خيامهم هناك ، وسموا الموضع « الفسطاط » ، وهو اسمه إلى الآن ، فلما رأى رؤساء المدينة ذلك مضوا إلى « عمرو » وأخذوا منه أمانًا ، وأهلكوا جنس الروم وبطريكهم المسمى « أريانوس » ، وهرب الفارون إلى الإسكندرية وتحصنوا فيها ، فخاف الكافر والى الإسكندرية
ـ بنص تعبير ساويرس ـ وكان فى ذات الوقت بطركها من قبل الروم ، خاف أن يقتله « عمرو » فمصّ خاتمًا مسمومًا فمات لتوه . أما « التكس » أى الدوق « سانوتيوس » المؤمن ، فإنه عَرَّف « عمرو » بسبب اختفاء بنيامين البطريرك ، وأنه هارب من الروم خوفًا منهم ، فكتب « عمرو » أمانًا إلى البطريرك بنيامين يؤمنه حيث يكون ، ويدعوه للحضور آمنًا مطمئنًا ، فعاد القديس بنيامين إلى الإسكندرية فى فرح عظيم .

     وما كتبه « ساويرس » المؤرخ القبطى فى عصر الفاطميين ، رسم صورة للمقوقس تناقض جميع الصور المدعى عليه فيها أنه كان خائنًا متواطئًا مع العرب ، وأنه إنما بخع نفسه خوفًا من أن يدمر الرومان بالإسكندرية  .

     ويشير الأستاذ العقاد إلى ما جاء بالمجلة القبطية  فى العدد / 6 للسنة الثالثة ، من أنه فى الثانى من بؤونه سنة 333 ( قبطية ) ، كان « المقوقز :جريج بن مينا » الهراطيقى نائب هرطاقة بالديار المصرية ، وما أنزله من عقوبة بأخيه مينا … إلخ . وهى فقرة تؤكد انتماء المقوقس إلى مصر ، لأنه نشأ فى بيت يسمى أبناءه باسم « مينا »  ، ويسمى هو وأخوه بهذا الاسم الواحد مع التفرقة بينهما فى اللقب أو الكنية .

    وممن أرخوا لهذه الفترة فيما يعرض الأستاذ العقاد : « أبو المكارم سعد الله بن جرجس بن مسعود » من أبناء القرن الثانى عشر , وأورد فى تاريخه ما استعرضه الأستاذ العقاد , ويتفق مع هذه الرواية , والمهم فيه هو تسمية المقوقس باسم « جريج بن مينا » , وهى تسمية مصرية غير معهودة فى أسماء الرومان أو الروم .

     وأورد الأستاذ العقاد فقرات ( طويلة ) بنصها مما جاء فى تاريخ ابن البطريق , وهو من الملكيين المعارضين للكنيسة الوطنية , وما ورد فيه عن « عمرو بن العاص » , وقدوم المقوقس إليه حيث أعلن أنه برئ من الروم وليس على دينهم ولا يقول مقالتهم , طالبًا من عمرو أن يعطيه ثلاثة خصال الأولى ألا ينقصه عن القبط , وأن يدخله معهم , ويلزمه بما ألزمهم , فقد اجتمعت كلمته وكلمتهم , وأنه والقبط متممون الصلح الذى صالحهم عليه . والثانية ألا يجيب الروم إلى الصلح إذا طلبوه , والثالثة أن يدفنه إذا مات فى كنيسة
« أبى حنس » بالإسكندرية . فأجابه عمرو إلى ما طلبه . كما أورد ابن البطريق ما كتبه عمرو إلى الخليفة فى وصف فتح الإسكندرية , وخطته بعد فتحها , وما رد به عمر
بن الخطاب عليه . وهى روايات أحجى أن تقارب التاريخ الصحيح
ـ فيما يقول الأستاذ العقاد , لأن صاحبها كان أقرب المؤرخين إلى الأخبار جميعًا من رومانية وقبطية وعربية .

    ويضيف الأستاذ العقاد بعد مناقشة مستفيضة , أن « المقوقس » عُرف بهذا اللقب فى الحجاز قبل فتح مصر بأكثر من عشر سنين , وأنه لا يوجد أى شك فى خبر الرسالة النبوية إليه ورده عليها , كما لا شك فى أن كتابة النبى إلى عظيم القبط ورده عليه , قد شفع بإرسال ووصول السيدة مارية القبطية وأنها ولدت للنبى ابنه إبراهيم  , وتواترت التواريخ بمولده ووفاته حوالى الثانية من عمره , وقول النبى وقت دفنه حين كسفت الشمس وظن البعض أن ذلك كرامة لإبراهيم ـ قوله إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله , لا تكسفان لموت أحد .

    فليس المهم إذن , فيما استخلص الأستاذ العقاد , تصريف اسم المقوقس باليونانية أو الحبشية أو القبطية , وإنما المهم أنه كان هناك عظيمًا فى مصر كان يملك من أمر شعبها ما لم يمكله عاهل القسطنطينية , ولذلك كتب النبى إليه ولم يكتف بالكتابة إلى العاهل فى عاصمة الدولة الكبرى , ووصل الكتاب إلى صاحبه المقصود , ووصل منه الجواب مشفوعًا بهديته , فيما تواترت عليه التوايخ ، ومنها مولد إبراهيم للنبى من مارية القبطية ، ثم وفاته فى نحو الثانية من عمره .

    وأمام هذه الحقيقة الناطقة ، تسقط دعاوى « بتلر » وغيره من أصحاب التخريجات والتأويلات ، ويتأكد ما أكدته البداهة ومتواتر التواريخ والحوادث ، من أننا أمام شخص حقيقى محدد ، له « دور » محدد ، وهو دور زعيم « أهلى » مسئول له صفة شعبية ، لا تستطيع دولة الرومان أن تنتزعها منه ، سواء رضيت عنه ، أو غضبت عليه .

 

حقيقة ناصعة قاطعة

 

   فالمقوس الذى يصوره لنا الموقف ، فيما خلص الأستاذ العقاد فى بحثه المستفيض الذى اجتزأت  للقارئ بعضه ، يصور حقيقةً لا محل فيها لجدل المؤرخين ، ولا تزال كلمة التاريخ فيها أصدق وأوضح من لجاجة المدونين أو الناسخين .

    وهذا الموقف الذى يبسطه لنا التاريخ ، يتممه الموقف كما كان يراه المقوقس فى علاقته بعرش الرومان وغيره من العروش الكبيرة حوله .

    وقد كانت مهمة المقوقس مهمة أمانة يؤديها على أحسن ما تكون لمصلحة بلده ، بل إنه لو أراد جدلاً أن يخون لما استطاع ، لأنه لم ينزل عن شئ كان فى وسعه أن يتمسك به .

    كما وأن الذين كتبوا عن المقوقس ، وأثبتوا وجوده بالأدلة والبراهين ، مجمعون على علاقته بتحصيل الخراج ، وبأنه كان يظهر مذهب الروم الملكيين ويبطن مذهب القبط اليعقوبيين ، وقيامه على الخراج يرشحه بلا مراء للاتفاق مع الفاتحين على ما شمله هذا الاتفاق ، أما مذهبه السياسى ، فربما كان للسياسة دخل فيما يعلنه منه وما يخفيه ، وهو ما نراه فى كل العهود حتى التاريخ المعاصر ، فالمقوقس قد وجد بصفاته اللازمة عقلاً وعملاً ، ولا محل للاحتيال للشك فيه .

    وإن صفاته هذه ـ فيما يبدى الأستاذ العقاد ـ تعيننا على تصحيح كل صفه وكل شخصية فى زمانه ، وتؤكد أن صلاحيته « للدور » الذى قام به ، تعنى أنه لا يمكن أن يكون سوى المقوقس المشهور .     

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *