فى مدينة العـقاد (517) ـــ عمرو بن العاص (15)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     واستطرت السيدة الإنجليزية « بتشر» لتبدى أنه كان عصر أكثر من عمدة ، وكان عمدة الوجه البحرى « آمون مينا » ، وكان مدعيًا غبيًّا ، أما عمدة مصر الوسطى على أحد شطى النيل من ناحية المنيا فكان يسمى « ڤريس » ، وغير معلوم عنه شىء سوى أنه اشترك فى تسليم البلاد للمسلمين  ، أما عمدة مصر العليا ـ أو « بابلون » فاسمه فى أوراق البردى « جورج » أو« جرجس » وهو الذى يسمونه فى بريطانيا « المقوقس » .

     ثم تسلِّم السيدة الإنجليزية « بتشر» فيما يعرضه الأستاذ العقاد ـ بأن هؤلاء العمد المتعددين مصريون وطنيون ، بدليل أسمائهم ، وإن لم يكونوا من أتباع الكنيسة الوطنية ، وإلاّ لما تولوا هذه المناصب ، وتسلم بصواب تسمية « المقوقس » بأنه قبطى مصرى ، ولكن المؤرخين أخطأوا فى زعمهم أنه تابع للكنيسة الوطنية التى تعرف الآن بالكنيسة القبطية ، إلاَّ أنه لم يكن يصرح بذلك فهو موظف بيزنطى من أبناء مصر ، ومن ثم فهو فيما ترى خائن للإمبراطورية ، وخائن لبلاده ، وخائن للكنيسة !

     وعن هذا الخائن فى عُرفها ، تقول إنه كان قد مضى عليه فى وظيفته عهد بعيد على أيام ما أسمته الغزوة العربية ، فأصبح أقوى المديرين جميعًا ، لدخول « بابلون » فى إقليمه ، واعتاد المصريون لنحو عشرين عامًا ، النظر إليه على أنه وحده حاكم وادى النيل . وأنه وقد صار المدير القوى ، وشهد الخطر قادمًا أمام عينيه ، أرسل إلى محمد ـ أو الشمس الساطعة كما تغمز الكاتبة ـ  سفارة ودية تحمل الهدايا من العسل والعبيد إلى محمد « زعيم القوم » .

     ولكن ها هو محمد قد مات ، وسيكون « المقوقس » أول من يُحَاسب إذا نهضت الدولة الرومانية وهزمت المسلمين كما هزمت الفرس ، وقد التقت جيوش هرقل وجيوش عمر خليفة محمد فى فلسطين ، فأيقن « جرجس » أن مصر لا محالة سوف تكون من نصيب الظافر ، ولاح له فى البداية أن هرقل ستكون كفته هى الراجحة ، فبادر إلى العمل وفق هذا التقدير ، وخطر له أن يزوج قسطنطين بن هرقل من فتاةٍ حسناء كانت له تدعى « أرمانوسة » ، وكان قسطنطين أرملآ قد توفيت زوجته ، وهو وارث العرش ، فخطر لجرجس أن يزودها بجهاز يغريه بإهمال موضوع الأموال المتأخرة ، ويبدو أن قسطنطين ـ وكان يومئذ فى قيصرية ـ قد استراح لفكرة الزواج من «أرمانوسة» ، فخرج من «بابلون» أواخر سنة 630م ، حيث زُفت العروس المصرية فى مركب فخم إلى قرينها الملكى .

    بيد أنه ما كاد الموكب يقترب من الحدود ما بين القنطرة والعريش ، حتى نما إلى
« أرمانوسة » نبأ انتصار العرب ، ومحاصرتهم قيصرية ، فتصرفت المصرية الشابة بشجاعة ، وقفلت إلى بلبيس مستعدة هناك للدفاع ، وأنفذت حراسها إلى « الفرما » للمقاومة فيها ، ولكن عمرًا تجنب « الفرما » وتقدم رأسًا إلى بلبيس حيث لبثت « أرمانوسة »  شهرًا تصد العرب بفرقتها الصغيرة ، فلما وقعت بلبيس عنوة فى قبضة عمرو ، بعث بأرمانوسة معززة مكرمة إلى أبيها إعجابًا ببسالتها ، أو لإدراكه عاقبة ترك كل عمل يسىء إلى العمدة المقتدر فى بابلون ، فانحلت من ثم مشكلة المقوقس ، وبرح الخفاء فى أمر الشمس الساطعة منذ ذلك الحين ، على حد تعبير الكاتبة الإنجليزية « بتشر » التى شوهت الوقائع تشويهًا معيبًا ، لغرض واحد هو الحسرة على خروج مصر من الدولة الرومانية ، وإلقاء التبعة فى ذلك على المقوقس !

    وقد قبلت « بتشر » قصة أرمانوسة على علاتها ، لأنها ذريعة لكيل التهم إلى المقوقس ، أما « بتلر » فإنه وإن كان قد رفض قصة « أرمانوسة » فإنه لم يرفضها إنصافًا للحقيقة ، وإنما لأنه اختار أن يكون المقوقس هو « ڤيرس » واختار أن يكون « ڤيرس » راهبًا لا يجوز له الزواج !

    ووفقًا لتأصيل اعتاده الأستاذ العقاد ، خرج بنتيجة مؤداها فساد ما اعتمده « بتلر » وفساد ما اعتمدته « بتشر » ، حيث انتهيا إلى أباطيل ، قائمة على اختراع القصص ، وزادت حدة الأباطيل فى الترجمة التى أورد الأستاذ العقاد فقرات منها لتأكيد فساد الأصول والترجمة جميعًا .

 

تغير أسلوب التناول

والخداع واحد !

               

    على غير الأسلوب السالف ، أصلاً وترجمةً ، تعرض الدكتور « جاك تاجر » لتحقيق أمر المقوقس ، وتاريخ الفتح العربى ، بقالة العودة للنظر من جديد فى الوثائق والمعاهدات ، فى كتاب بعنوان « مسلمون وأقباط » ، فأورد أن الشخص الذى أطلق المؤرخون العرب عليه اسم المقوقس ، لم يزل غامضًا ، لينتهى إلى أنه قد صار اليوم أقرب إلى استخلاص الحقيقة , مما أدعاه « فيجاك » شقيق « شامبليون » الذى صور « ﭭيرس » على أنه قس قلق ومفسد , خلف البطريرك « جورج » عام 630م , باسم « المقوقس » .

    غير أن المستندات التى حصل عليها ـ فيما يطرح الدكتور « جاك تاجر » ـ لا تسمح بعد بتفسير هذا اللغز التاريخى تفسيرًا تامًا .

    ويقول جاك تاجر , إن المؤرخين استعملوا كلمة « مقوقس » باعتبارها اسم شخص معين , إلاَّ أنه صار مؤكدًا تقريبًا من أصل هذه الكلمة ـ فيما يرى ـ أن البطريرك « ﭭيرس » الذى عينه الإمبراطور هرقل محافظًا على دوقية الإسكندرية , كان قبل تعيينه أسقفًا لمدينة « فاز » من مدن « القوقاس » أو « القوقاز » ( عند حدود أوروبا وآسيا ) , فلقب فى مصر فلُقب « ﭭوﭭيوس » ( القوقاسى ) , ويشهد على ذلك أحد المستندات القبطية النادرة التى كشف عنها « إميلينو » .

    أما « الـﭭوﭭيوس » هذا الأسقف المزعوم ـ فيما يطرح الدكتور « تاجر » , فقد جعل الحقد يوغر صدره إلى أن وصل الفيوم , وأنه حينما أوشك على مفارقة الحياة , قال له الأب « صمويل » : أنت أيضًا أيها الكلسيدونى المخادع .. ثم أضاف الدكتور « تاجر » أنه يميل إلى الاعتقاد دون أن يجزم ـ بأن « المقوقس » الذى فاوض فى تسليم « بابليون »
هو شخص آخر غير البطريرك « ﭭيرس » الذى أبرم صلح الإسكندرية , بل إنه حاكم
قبطى أمسك المؤرخون العرب عن التثبت من شخصيته .. على أن المؤرخ الكاثوليكى
« ابن بطريق » يشير إلى « المقوقس » على أنه يعقوبى مبغض للروم , ولم يظهر مقالة اليعقوبيين حتى لا يقتلوه , ويتهمه « ابن بطريق » الكاثوليكى إضافة إلى ذلك بأنه اقتطع أموال مصر من وقت حصار كسرى للقسطنطينية , وكان يخاف أن يقع فى يد هرقل الملك فيقتله .

 

الأوراق الأثرية

 

    أما الأوراق الأثرية التى  استند إليها هؤلاء المؤرخون وغيرهم , فليس فيها ـ فيما يبدى الأستاذ العقاد ـ ما يرجح قولاً من أقوالهم , بل وفيها ما يخالفها . ويقرن ذلك بأدلة يستقصيها مما دار بين النساك ورؤساء الأديرة , والرهبان , وما كان يدور حول الإتيان بالقديس « أنبا صموئيل  » مغلول اليدين وراء ظهره , وإلى ما تبادله صمويل والمقوقس من شتم واتهام , إلى ما دار بين القديس «أنبا صمويل» وقديسه البطريرك« أنبا بنيامين » ، إلى غير ذلك مما لا أريد المزيد من إرهاق القارئ به . وإن بقى بيان ما يريد الأستاذ العقاد أن يصل إليه من هذا البحث الذى أظن أنه كان فى مقدمة اهتماماته وهو يضع كتابه عن عمرو بن العاص .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *