فى مدينة العـقاد (516) ـــ عمرو بن العاص (14)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

المقوقس

    المقوقس من أكثر الشخصيات الخلافية فى تاريخ مصر ، بل ويندر فيما يرى الأستاذ العقاد أن توجد فى العالم كله سيرة خلافية كما فى سيرة المقوقس ، لذلك إرتأى أن يعرض لها ببعض التفصيل .

    وهو يرى أن شطرًا من اللوم عن ذلك يقع على المؤرخين الناسخين ، وشطرًا آخر يقع على المؤرخين الذين يدخلون أهواءهم الحديثة فى مسائل التاريخ الخالية ، وفيما لم يكن له محل قط آنذاك .

    كان تاريخ المقوقس مبهمًا كتواريخ حكام الرومان فى البلاد التى فتحها العرب من فلسطين إلى أفريقيا الشمالية ، لأن أحوال الدولة الرومانية البيزنطية كانت فى ذلك العصر مبهمة متقلبة .. يتولاها إمبراطور فيولى ويعزل ، ويقرب ويبعد ، ويغير المناصب وأصحابها ، ثم لا يكاد يستقر على عرشه حتى يثور عليه طامع فى الملك ، يهدم كل ما أقامه من أركان ملكه ، وقد يستبقى بعض أصحاب المناصب سرًّا أيام ثورته ، وقد ينكل بأناسٍ كان يداريهم ويداورهم إلى أن يتمكن منهم ، وقد تجرى حوادث الدولة على وتيرة معقولة بضع سنوات ، ولكنها تصل إلى التاريخ فى عصر قد اضطرب فيه التاريخ والمؤرخون ، وحالت فيه الأهواء والمنازعات دون ذكر الحقائق والتبعات ، فيقع اللوم على غير أهله ، ويُبذل الثناء لمن لا يستحقه وتمسخ الأخبار والحوادث لمجاراة المآرب والأغراض !!

    وتاريخ المقوقس كان عرضة لهذا المسخ والإبهام فى جميع هذه الجوانب ، من جانب المؤرخين الناسخين ، ومن مؤرخى العصور الحديثة الذين نظروا إلى حوادث تلك الأيام كأنهم ينظرون إلى ما يجرى اليوم ، ثم كان ذلك كله عرضة للمسخ من تقلقل الأحداث وتغير الدول والحكومات والأحزاب ، كاغتيال إمبراطور وجنون إمبراطور بعده ، ودخول مصر فى حوزة الفرس وخروجها منها ، وتنازع الكنائس على العبادات تبعًا للمذاهب وامتداد ذلك إلى خصومات شملت عقيدة الدين وعصبية الجنس .

    ولهذا اختلف المؤرخون فيما يرى الأستاذ العقاد ، على كل ما يتعلق بالمقوقس ، حتى كاد بعضهم أن ينكروا وجوده .

    واختلفوا على اسمه ، وعلى جنسه ، وعلى منصبه وعمله ، فضلاً عن الاختلاف على مقاصده وأغراضه .

    وظن بعض المؤرخين أن « المقوقس » اسم الرجل على أصله ، أو مشوبًا ببعض التحريف .

    وظن آخرون أن ذلك لقب وظيفة ، ثم اختلفوا فيمن كانت تطلق عليه .

    فمنهم من اعتقد أنه « الأجيرج » أو « الأعيرج » الذى جاء فى روايات بعض المؤرخين العرب أنه كان يتحصن فى قصر « بابلون » .

    ومنهم من اعتقد أنه البطرق « بنيامين » الذى كان على مذهب الكنيسة الوطنية .

    ومنهم من اعتقد أنه البطرق « فيروش » الذى كان على مذهب الكنيسة الملكية .

    ومنهم من قال إنه وطنى تمذهب بمذهب الإمبراطور البيزنطى للمحافظة على منصبه .

    ومنهم من قال إنه رومى تمذهب بمذهب أبناء البلاد واعتقد الكفر فى رؤساء الدين بالقسطنطينية .

    ولم يتفقوا بعض الاتفاق أخيرًا ، إلاَّ فى أمر لقبه باللغة اليونانية ، فليس بين المؤرخين اليوم من يحسب « المقوقس » اسمًا للرجل ، بل ليس فيهم من يحسب أنه لقب سبقه إليه أحد من ولاة الروم فى مصر .

    وعند الأستاذ العقاد أن هذا « اللقب » مفتاح لبعض الألغاز التى أحاطت بتاريخه ، لأنه يرجح الدلالة على جنسه من ناحية ، وعلى علاقته بالدولة صاحبة السيادة الإسمية من ناحية أخرى .

    كانت الثورات فى مصر لا تنقطع ، فلما استقرت بعض الشىء ، كانت الإسكندرية قد تعرضت لمنافسة شديدة ، أشد عليها من سلطان السيادة السياسية .

    وكان الإمبراطور قسطنطين قد دان فى أواخر أيامه بالمسيحية ، فأصبحت عاصمة الدولة تابعة فى العرف الكنسى لكنيسة الإسكندرية لأنها أقدم الكنائس وأكبرها فى المشرق والمغرب .

    ثم جاء جوليان المرتد بعد قسطنطين ، فبقيت للإسكندرية مكانتها الكبرى .

    وظل مقام الإسكندرية مقامها إلى القرن السادس الميلادى ، الذى فيه استقرت المسيحية فى عاصمة الدولة ، وأصبحت كنيستها عاصمة الكنائس على هذا الاعتبار .

    ولم يبق لبطرق العاصمة البيزنطية مناظر يحسب حسابه غير بطرق الإسكندرية .

    وكان البطرق الإسكندرى رأس الدين المسيحى فى العالم كله قبل رؤسائه فى العاصمة الغربية والعاصمة الشرقية . وكان الناس يطيعونه ويؤمنون بأن طاعته من طاعة السماء ، أما الإمبراطور فطاعته القسرية طاعة أرضية .

    هنالك وجب تعويض مصر ، ووجب اجتماع اللقب السياسى واللقب الدينى فى كرسى واحد ، ومن ثم كان « المقوقس » جامعًا بين الرئاسة الدينية والرئاسة الإدارية ، أو بمثابة ولى الأمر وفقًا للمصطلح الحديث .

    ولعل لقب « الخديو » حديثًا أشبه الأشياء بلقب « المقوقس » فى أواخر عهد الدولة الرومانية ، فهو والٍ وأكثر ، أو ولى الأمر عن الأصيل ، وباسمه تقام الأحكام فى ظل هذا الأصيل .

    وقد كان لقب « المقوقس » أو « المقوقز » ـ كلمة يونانية بمعنى المفخم أو الفاخر ، كالحضرة الخديوية « الفخيمة » أو المفخمة كما صححتها اللغة العربية .

    هذا من ناحية منتجة فى تاريخ المقوقس وتاريخ الفتح العربى على إجماله .

    وهناك فيما يرى الأستاذ العقاد نواح أخرى تضارعها أو تزيد عليها ، هى خطاب النبى عليه الصلاة والسلام إلى المقوقس وتلك السمعة « الخارجية » التى جعلت له آنذاك هذه المكانة إلى حد مخاطبة النبى عليه السلام فى أمر المصريين ، ومن هذه النواحى أيضًا الصفـة التى رشحته للتعاهد باسم مصر ، ومنها البواعث النفسية التى حببت إليه أن يبقى فى مصر ويخرجها من دولة الروم غير مبال بانتقال السلطة إلى غير أبناء دينه .

    وعلى أهمية هذه النواحى ، أهملها « المؤرخون الناسخون » ولم يعيروها اهتمامًا.

 

المؤرخون لعصر الفتح الاسلامى وما تلاه

 

    خصص الأستاذ العقاد ثلاثين صفحة من كتابه عن عمرو بن العاص ، للحديث عن هؤلاء المؤرخين , فبدأ بالدكتور « ألفريد بتلر » المعدود من أكبر المؤرخين لعصر الفتح الإسلامى ، فذكر أنه أقام فى مصر زمنًا قبل الاحتلال البريطانى وبعده ، واجتهد علميًا فى تمحيص الوثائق التى عُثِر بها فى القصور الخديوية وفى المكتبات العامة والخاصة ، ولكن القارئ يلمح أنه يتحدث عن خروج مصر من الدولة الرومانية وكأنها خرجت فى العصر الحديث من الدولة البريطانية .

    ولذلك فليس غريبًا أنه بعد أن أورد أقوالاً متضاربة ليضعفها ويفندها ، إختار القول الذى يدين المقوقس ويسفه رأيه !!

    فكان مما أورده بتلر بعد استعراض طويل ، أن أكثر المؤرخين العرب ليس لديهم عن المقوقس إلاَّ صورة ضئيلة مبهمة ، وأنه كان حاكمًا على مصر ، وأنهم صوروه فى أعمال وحوادث لم يكن مشتركًا فيها بنفسه أو لم يحضرها ، ويجزم بأنهم ضلوا فى أمر أسمه وشخصه ، ولم يذكر مؤرخ عربى وما كان له أن يذكر ـ بنص عبارته ـ أن ذلك اللقب أطلق على ثلاثة أشخاص كان كل منهم صاحب حق فى إطلاق اللقب عليه ، ثم يدعى أنه إزاء ما تراكم على الحقيقة ، فإنه يحق له أن يكشفها ويجلوها جلاءً لا ميل فيه ولا تحيز ، وخلاصتها أن الحقيقة المؤكدة أن « المقوقس » لم يكن سوى « ﭭيرس » ، وهو نائب هرقل الذى اختاره بطرقًا للكنيسة البيزنطية أى كنيسة الدولة ، واضطهد البطرق المصرى ونفاه ، ثم أدرك أنه خاب فى مسعاه حين تحولت جهرة الشعب عن الإمبراطور .

    وأشد من بتلر فى انحيازه البريطانى فى تصوير التاريخ ، السيدة الإنجليزية « أ. ل. بتشر » التى عرضت لتاريخ الأمة القبطية ، لتأسف أولاً على أنها انفصلت عن الكنائس الغربية ، ولتثبت ثانيًا أن خروج مصر من حكم الرومان كان خيانة مصرية لا تضارعها خيانة ، وتمثلت صاحب هذه الخيانة فى نظرها وكأنه يعيش فى زمانها ، فانهالت عليه بالسباب المقذع المستحق على من يخرج عندها عن سلطان بريطانيا العظمى ، ولكنها اختلفت مع « بتلر » فى تحقيق شخصية « المقوقس » ، فأودرت أنه « جـورج » أو « جرجـس المصرى » ، ولا تخفى توجعها لما حدث ، وكأنه لو لم يحدث لكانت الدولة الرومانية قد سلمت مما أصابها وبقيت مصر فى حوزتها !

    وأضافت أن المقوقس الذى تمارى الكثيرون فى اسمه ووظيفته ، بل وفى وجوده ، فإن البرديات التى وجدت لدى الأرشيدوق « رينر » ـ قد يسرت إزالة بعض المصاعب التى تحف بالمسألة ، وأن الواقع قد كشف ـ كذا !! ـ عن أنه لا اسم علم ولا مسمى وظيفة ، وإنما كان الرجل صاحب عنوان يسمى بالعمدة ، ويخطئ بعض المؤرخين فيسمونه نائب الملك ، واسمه الأصلى « جرجس » بن مينا بركيوبس ، وتضيف أنه طبقًا للغة البلاد الرسمية ، كان لقب الوظيفة يُسبق على سبيل التمجيد بألفاظ تقابل فى الإنجليزية كلمة « الفخم » أو « المجيـد » أو « صاحب السعادة » ، ولكن العرب حسبوا هذه الكلمة ـ فيما تقول ! ـ اسمًا شخصيًا للعمدة الخائن الذى فاوض عمرًا بن العاص على تسليم البلاد ، ومن ثم أصبح جرجس الخائن مشهورًا خلال القرون بوصف « المقوقس » أو « الفخم المجيد » .

                                                                         وللحديث بقية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *