رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

 

     وينقل الأستاذ العقاد عن الرواة ، أن خالدًا لما نزل بالبطاح ، لم يجد أمامه أحدًا يلقاه بزكاة أو يلقاه بقتال . فعسكر حيث نزل وأرسل السرايا فى أثر أهل البطاح ، فجاءته « بمالك بن نويرة » فى نفر من بنى يربوع ، فحبسهم ثم أمر بقتلهم .

     ويحسن قبل التعرض لزواج خالد بعد ذلك بامرأة  « مالك بن نويرة » ، وكانت من أشهر نساء العرب بالجمال ، أن نعرض لما قيل من روايات ـ تعددت واضطربت ـ حول قتل مالك ومن معه ، فمن قائل إن السرايا وجدت بنى يربوع يصلون وسمعت الأذان ، ومن قائل : « لم نر صلاة ولم نسمع بأذان » .

     ومن قائل إن الأسرى قُتلوا بنوع الخطأ ، فقد كانت الليلة باردة شديدة البرودة ، فنادى منادٍ من قِبَل خالد أن « دافئوا أسراكم » ( بمعنى تدفئتهم إزاء البرد ) ، ففهم الحراس أن المراد القتل لأنهم كانوا من بنى كنانة والمدافأة بلهجتهم كناية عن القتل ، فكان ما حدث .

      ومن قائل إن مالكًا قتل بعد محادثة حامية جرت بينه وبين خالد ، ولكن الروايات تضطرب فى نقل هذا الحديث ، اضطرابا لا يُعْرف معه لهذا الحديث نص صريح . فقيل إن مالكًا صرح بأنه لا يعطى الزكاة وإنما يقيم الصلاة ، وأن خالدًا قال له : أما علمت أن الصلاة والزكاة معًا لا تقبل واحدة دون الأخرى ؟ فقال مالك : « قد كان صاحبك يقول ذلك » .. فاتخذ خالد من هذا القول دليلاً على أن الرجل يتبرأ من نبوة النبى ، وقال له : أو ما تراه لك صاحبًا ؟! ..ثم حمى الجدل بينهما حتى أمر بقتله .. ثم قيلت بعد ذلك خرافات لا تستقيم وإن دلت على وجود المحنقين الراغبين فى التشهير بخالد وتبشيع أعماله وإيغار الصدور عليه .

     ثم جاء زواج خالد من امرأة مالك ، فاتخذ البعض قرينة على أن خالدًا أراد قتله ليتزوج بامرأته ، وعند شخصيًّا أن الملاحظ أن لم يتخذها سبية وكان ذلك واردًا فى تلك الأيام ، وإنما تزوجها ، والزواج يعنى أنه لم ينعقد إلاَّ بعد انقضاء عدتها ومن ثم ينفى الاتصال الزمنى المباشر بين القتل والزواج ، ثم هو يعنى أنه لم يكن على ذمة خالد أربع زوجات وإلاَّ ما استطاع الزواج بها إلاَّ بعد تطليق إحدى زوجاته ، ولم تنقل الأخبار حدوث شىء من ذلك ، وذلك يثير الشكوك حول ما ريم إلصاقه بنوايا خالد وما يضمره ، فضلاً عن دلالة أنه لم يكن بعصمته أربع زوجات ، على عدم الإسراف الشديد فى أمر النساء كما تقول بعض الروايات .

     وخلاصة هذا ، أن القصة محوطة بشكوك كثيفة يتعذر معها الجزم بصحة ما ألصق بخالد ، وقد قيل إن أبا قتادة قفل إلى المدينة غاضبًا دون استئذان قائده ، ولقى عمر بن الخطاب فكانت غضبته أشد وأعنف ، وطلب من الخليفة أن يعزله وأن يقيده ، فلم يجبه الخليفة وقال له « يا عمر ! تأول فأخطأ . ارجع لسانك عن خالد . فإنى لا أشيم (لا أغمد) سيفًا سله الله على المشركين » .

     ولكن الخليفة ودى مالكًا ،  أى دفع ديته ، واستدعى إليه خالدًا ، فتعرض له عمر لدى دخوله المسجد ، وانتزع ما فى عمامته من أسهم وصاح به : « قتلت امرءًا مسلمًا ثم نزوت على امرأته ، والله لأرجمنك بأحجارك » .

    فتركه خالد ولقى الخليفة الذى استمع إليه ، ويقال إنه عنفه وأمره بأن يفارق ليلى ( أرملة مالك ) ثم عفا عنه واستبقاه فى الخدمة .

*       *       *

    ويخلص الأستاذ العقاد من هذه الروايات والأقوال إلى أنه ـ إذ استبعدنا قصة المدافأة ـ فإن الذى لا نزاع فيه أن وجب القتل لم يكن صريحًا قاطعًا فى أمر مالك بن نويرة ، وأن مالكًا كان أحق بإرساله إلى الخليفة من زعماء فزارة وغيرهم الذين أرسلهم خالد بعد وقعة البزاخة ، وأن خالدًا تزوج امراة مالك وتعلق بها وأخذها معه إلى اليمامة بعد لقاء الخليفة .

     وأوجب ما يوجبه الحق بعد ثبوت هذا كله أن وقعة البطاح صفحة فى تاريخ خالد كان خيرًا له وأجمل لو أنها لم تكتب فى حياته لأنها لم تضف على فخاره العسكرى كثيرًا ولا قليلاً ، وأهدفته لملام ، عذر فيه ، يقبله أناس ولا يقبله آخرون .

     ويعقب الأستاذ العقاد بأنه يجب تقرير هذا عند تقدير خالد ، لأنه الحق الذى لا يعلو على ميزانه ميزان ، ولأن الرجل الذى ُخشى على قدره من تقرير أخطائه رجل لا يستحق أن يكتب له تاريخ .

فى اليمامة

 

     خرج خالد من البطاح إلى اليمامة ، فخرج من وقعة لا خطر فيها ، إلى وقعة مثلت الخطر الأكبر فى حروب الردة بل وفى كافة حروب المسلمين أيام الخلفاء الراشدين .

       ويرجع هذا الخطر الأكبر ـ فيما يبدى الأستاذ العقاد ـ إلى قوة بنى حنيفة أصحاب اليمامة ، ودهاء رئيسهم « مسيلمة بن تمامة » أو مسيلمة الكذاب كما جرى تلقيبه ، ومنعة بلادهم بالجبال والأودية مع وفرة الماء والثمرات .

      وقد هابها أصحاب « سجاح » وحذروها حين حدثتهم بالرغبة فى غزوها ، أما مسيلمة فقد كان فيما يصفه الأستاذ العقاد ـ رجلاً قصيرًا أخنس الأنف أفطسه شديد الصفرة زرى الهيئة ، ولكنه كان على ذكاء مفرط وحيلة نافذة ، واشتهر بالقدرة على استهواء النفوس ، حتى إنه استغوى رجلاً من قرّاء القرآن أوفده الرسول عليه السلام لتعليم أهل اليمامة ، وجاراه فى أنه يوحى إليه ، واستغوى « سجاح » ـ وهى تدَّعى النبوة ـ حتى شهدت له بالنبوة وتزوجته . وكان فيما يبدو صاحب حظوة عند النساء وخبرة بأهوائهن ، حتى أفرطت زوجاته فى حبه والجزع عليه .

     وخليق بمثل هذا فيما يقول الأستاذ العقاد ـ أن يُظّن به السحر وتُنْتظر منه الخوارق بين الجهلاء ، ولسطانه على أبناء قبيلته أحبوه ووثقوا به وأطاعوه ، وتأتى له أن يجمع منهم ما بين أربعين وستين ألفًا أو أقل ، مع حساب ملحوظ  لكافة الأمور يوم تصدى لدعوة النبوة ومحاربة الإسلام ، وتجلى ذلك فيمن كمان يقاتلهم ومَن كان يناوشهم أو يصانعهم ، وفى توقيه شر « سجاح » وقومها بعد أن استغواها وتزوجها وحملها بالهدايا إلى قومها ، وفى مهادنة خصومه والتفرغ لحرب المسلمين وصدهم ، وحشد كل ما وسعه من جند وسلاح .

     ولم يكن خالدٌ يجهل خطر هذا الرجل ، ولم يكن يخفى عليه أن الحرب فى العراء غير الحرب فى بلاد تكتنفها الجبال ومُقام فيها الأبنية والأسوار ، فتوجه من ثم إلى اليمامة فى أهبة كافية بالقياس إلى غيرها ، على أن جيشه لم يجاوز ثمانية آلاف ، وكان مكمن قوته كثرة الصناديد من أبطال الصحابة فيه .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *