فى مدينة العـقاد ـــ عبقرية الإمام (26)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

ثقافته

      من الألقاب الشائعة عن على بن أبى طالب ، لقب « الإمام » ، وهو لقب اختص به علىّ بين جميع الخلفاء الراشدين ، فإذا قيل « الإمام » ، انصرف ذلك إليه لا إلى أحد سواه .

     لا مراء فى أن غيره من الخلفاء كانوا أئمة ، وسبقوا عليًّا فى الإمامة ، بيد أنه لم يكتب لأحد منهم أن يحمل علم الإمامة ليناضل عنه زحف الدولة الدنيوية ، ولا أن يصبح رمزًا للخلافة يقترن بها ولا يقترن بشىء غيرها .

     وذاك هو علىّ بن أبى طالب ، إذا قيل « الإمام » بغير اسم ولا تعقيب ، فإنه هو المقصود بذلك بغير اشتباه ، وعليه جرت الألسنة والأماديح على طول الزمان ، بغير حاجة إلى تسميةٍ أو تعريف .

*            *           *

      ومن خواص الإمامة التى انفرد بها علىّ ، اتصاله ـ بشكل ما ـ بكل مذهب من المذاهب الإسلامية منذ وجدت فى صدر الإسلام . فهو منشئ أو منشأ معظم هذه الفرق وقطبها الذى تدور عليه . ويندر أن تجد فرقة من هذه الفرق لم يكن علىٌّ معلمًا لها منذ نشأتها ، أو لم يكن موضوعًا لها ومحورًا لمباحثها .

     وقد اتصلت الحلقات ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ بينه وبين علماء الكلام والتوحيد ، وبينه وبين علماء الفقه والشريعة ، وكذا علماء الأدب والبلاغة .. فهو أستاذ بين هؤلاء جميعًا بالسند الموصول .

     كان الإمام محورًا وموضوعًا لمباحث فرق الخوارج والروافض والشيعة والناصبين وأهل السنة ، وفى هذه الفرق تشابكت الفروع والأفانين ، فنرى فى بعضها مزيجًا من التصوف والسياسة ، مثل الباطنية على اختلافها .. وقد تمتد فروع بعضها إلى القائلين بمذهب الباب أو مذهب البهاء .

     فالإمام أحق لقب به ، وهو أحق الأئمة بلقب الإمام .

     ثم كانت له آية أخرى ، هى آية الشهيد فى كثير من صفاته ، وكثير من معارض
حياته .

     فآية الشهداء أنهم يُبْخسون حقهم فى الحياة ، ثم يعطون حقوقهم وفوق حقوقهم بعد الممات .

     على أنه يندر فى العلوم الإسلامية أو العلوم القديمة ، أن تخلو من فصل أو فصول منحولة على الإمام .

     فقد نحلوه ديوانًا من الشعر فيه عشرات القصائد ، وليس بينها إلاَّ عشرات الأبيات التى يصح أن تُنْسب إليه ..

     ونحلوه علمًا سموه علم « الجفر » ، وزعموا أنه علم النجوم الذى يكشف عن حوادث الغيب إلى آخر الزمان ..

      ونحلوه مقامات تخلو من حرف « الألف » أَشْيَع الحروف فى الكلمات ، ومن غير المعقول أن يكون هذا النوع من المقامات قد ظهر قبل عصر الصناعة فى أيام العباسيين
وما تلاها .

      ونحلوه من مصطلحات علم الكلام ـ أقوالاً لا يمكن أن تكون قد عرفت إلاَّ بعد ترجمة المفردات الإغريقية التى لم تترجم إلاَّ بعد عهده بسنوات ..

     على أن ما بقى ثابتًا غير مشكوك فيه أو مختلف عليه ـ كافٍ لتعظيم قدره واثبات إمامته فى عصره ، وبعد عصره .

     وعند الأستاذ العقاد أن الإمام كان ينظم الشعر ويحسن النظر فيه ، من ذلك أنه عندما سئل عن أشعر الناس ؟ لفت النظر إلى أن المفاضلة لا تجرى إلاَّ وفق تقسيم لمقاييس الشعر على حسب مدارسه وأغراضه بين العرب ، وأضاف أنه إنْ كان ولا بد من تسمية أحد
«
فالملك الضليل » ، كناية عن امرئ القيس .

      إلاَّ أنه رضى الله عنه لم يرزق ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ ملكة الإجادة فى شعره .

      أما كتاب الجفر أو علم الجفر ، فالقول الفصل فيه أن مثل علىٍّ فى تقواه وفضله ، لا يشتغل بعلم مزعوم هو السحر القديم بعينه ، وليس هذا مما يتفق أو يليق بورعه وذكائه .

     ومع أن المقامات الخالية من بعض الحروف ـ لا يوجد ما يجزم فى أمرها ، لأن العقل لا يمنعها قطعًا كما يمنع استطلاع الغيب بالنجوم ، إلاَّ أنه من المستبعد جدًّا فى نظر الأستاذ العقاد أن تكون من كلام الإمام ، لاختلاف الأسلوب واختلاف الزمن .

      وإسقاط هذا لا يسقط فضلاً ترجح به موازين الإمام فى حساب الثقافة .

     تبقى له الهداية الأولى فى التوحيد الإسلامى ، والقضاء الإسلامى ، والفقه الإسلامى ، وعلم النحو العربى ، وفن الكتابة العربى .. مما يجوز لنا أن نسميه أساسًا صالحًا لموسوعة المعارف الإسلامية فى جميع العصور ، أو يجوز لنا أن نسميه موسوعة المعارف الإسلامية كلها فى الصدر الأول من الإسلام ..

     وتبقى له مع هذا فرائد الحكمة التى تسجل له فى ثقافة الأمة الإسلامية ، على تباين العصور ..

      وبرغم أن فى كتاب « نهج البلاغة » الذى جمعه الشريف الرضى ، ما يشك الباحث فى نسبة بعضه للإمام لما امتزج به من مصطلحات مقتبسة من ترجمة الكتب الإغريقية والفارسية ، إلاَّ أن فيه مما لا يمكن الشك فى نسبته للإمام ـ كفيوض من آيات التوحيد والحكمة الإلهية ، كافٍ لإثبات الأستاذية الرشيدة للإمام . وقد تضمنت الآراء الثابتة عنه خير ما يعرف به المؤمن ربه وينزه به الخالق جل شأنه فى كماله .

     ومن الأمثلة التى يختارها الأستاذ العقاد من « نهج البلاغة » ، قول الإمام :

     « الحمد لله الذى لم يسبق له حال حالاً ، فيكون أولاً قبل أن يكون آخرًا ، ويكون ظاهرًا قبل أن يكون باطنًا ، كل مسمى بالوحدة غيره قليل ، وكل عزيز غيره ذليل ، وكل قوى غيره ضعيف ، وكل مالك غيره مملوك ، وكل عالم غيره متعلم ، وكل قادر غيره يقدر ويعجز ، وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات ، ويصمه كبيرها ، ويذهب عنه ما بعد عنها ، وكل بصير غيره يعمى عن خفى الألوان ولطيف الأجسام ، وكل ظاهر غيره باطن ، وكل باطن غيره ظاهر ، لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان ولا تخوف من عواقب زمان ، ولا استعانة على من شاور ، ولا شريك مكاثر ، ولا ضد منافر ، ولكن خلائق مربوبون وعباد داخرون ـ أى ضارعون ـ لم يحلل فى الأشياء فيقال هو فيها كائن ، ولم ينأ عنها فيقال هو منها بائن ، لم يؤده خلق ما ابتدأ ولا تدبير ما ذرأ ، ولا وقف به عجز عما خلق ، ولا ولجت عليه شبهة فيما مضى وقدر ، بل قضاء متقن ، وعلم محكم وأمر مبرم .. » .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *