فى مدينة العـقاد ـــ عبقرية الإمام (25)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

النبى والإمام والصحابة

 

     ليس بأحدٍ حاجة إلى ترديد الأحاديث النبوية الكثيرة التى روت بأسانيدها محبة النبى عليه الصلاة والسلام لعلىّ وفاطمة وأولادهما .. منها حديث الخيمة الذى رواه الصديق رضى الله عنه ، وحديث لعائشة أجابت فيه بأن فاطمة كانت أحب الناس إليه ، ومن الرجال زوجها الذى علمته صوَّامًا قوَّامًا ، وهو حديث لا يتناقض مع حديث آخر عَبَّر فيه عليه الصلاة والسلام عن محبته للصديق ولعائشة ، فرواية السيدة عائشة تنصرف إلى المحبة الأخص بين آله عليه الصلاة والسلام ، وذويه .

     وقد تعددت تأويلات الأحاديث العديدة فى شأن علىّ ، ما بين شيعته ، وبين المتشيعين عليه ، ولكنك يمكنك أن تجزم فى غير عناء ولا مغالاة ، أن عليًّا ـ رضى الله عنه ـ كان من أحب الناس إلى النبى عليه الصلاة والسلام .

            ولا عجب ولا غرابة فى ذلك ، فقد كان عليه الصلاة والسلام يغمر بمحبته كل من أحاط به من الغرباء والأقربين ، فكيف بعلىّ  ..

            إنه ابن عمه الذى كفله ورعاه وحماه ..

            وهو ربيبه الذى أوشك أن يتبناه ..

            وهو زوج ابنته الأثيرة أم أبيها فاطمة الزهراء ..

            وهو والد أحفاده منها وقرة عينه ، على رأسهم الحسن والحسين ..

            وهو بديله فى الفراش الذى عرّض حياته للخطر ليلة الهجرة ..

            وهو نصيره الذى أبلى أحسن البلاء فى جميع الغزوات والسرايا ..

            وهو تلميذه النجيب الذى عَلِم منه فقه الدين ما لم يعْلَمه ناشئ فى سنه ..

     ومما لا خلاف عليه أيضًا ، أنه عليه الصلاة والسلام كان يسره ويرضيه محبة الناس له ، ويسوؤه ويغضبه أن يسمع من يكرهه ويجفوه ..

*      *      *

     وبعث رسول الله عليًّا إلى اليمن ، فسأله جماعه من أتباعه أن يركبهم إبل الصدقة ليريحوا إبلهم ، فأبى .. فشكوه إلى رسول الله بعد رجعتهم وتولى شكايته سعد بن مالك بن الشهيد ، فقال : «يا رسول الله .. لقينا من علىٍّ من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق ..» ومضى يعدد ما لقيه ، حتى إذا كان فى وسط كلامه ضرب رسول الله على فخذه ، وهتف
به : يا سعد بن مالك بن الشهيد ، بعض قولك لأخيك علىًّ ؟ فوالله لقد علمت أنه جيش فى سبيل الله » .

    وشكا بعض الناس مثل هذه الشكوى ، فقام رسول الله فيهم خطيبًا يقول لهم : « يا أيها الناس .. لا تشكوا عليًّا ، فوالله إنه لجيش فى ذات الله » ..

     ويلوح للأستاذ العقاد أن النبى عليه السلام كان يحب عليًّا ويحببه إلى الناس ،  ليمهد له سبيل الخلافة فى وقت من الأوقات ، ولكن على أن يختاره الناس طواعية وحبًا .. لا أن يكون اختياره من حقوق العصبية الهاشمية ، فإنه عليه السلام قد اتقى هذه العصبية جهد اتقائه ، ولم يحذر خطرًا على الدين أشد من حذره أن يحسبها الناس سبيلاً إلى الملك والدولة فى بنى هاشم ، وقد حرم نفسه الشريفة حظوظ الدنيا ، وأقصى معظم بنى هاشم عن الولاية والعمالة لينفى هذه الظنة .. ويدع الحكم للناس يختارون من يرضونه له بالرأى والمشيئة .. فالتزم فى التمهيد لعلىّ وسائل ملموحة لا تتعدى التدريب والكفالة إلى التقديم والوكالة ، أرسله فى سرية إلى فدك لغزو قبيلة بنى سعد اليهودية ، وأرسله إلى اليمن للدعوة إلى الإسلام ، وأرسله إلى منى ليقرأ على الناس سورة براءة . وبين لهم حكم الدين فى حج المشركين وزيارة بيت الله ، وأقامه على المدينة حين خرج المسلمون إلى غزوة تبوك  .. ولم يفته مع هذا كله أن يلمح الجفوة بينه وبين الناس ، وأن يكله إلى السن تعمل عملها مع الأيام ، ويكلهم فى شأنه إلى ما ارتضوه ، عسى أن تسنح الفرصة لمزيد من الألفة بينهم وبينه .

      هذه فيما يعتقد الأستاذ العقاد أصح علاقة يتخيلها العقل ، وتنبئ عنها الحوادث بين النبى وابن عمه العظيم  .. وربما كانت أصح العلاقات المعقولة لأنها هى وحدها العلاقة الممكنة المأمولة ، وكل ما عداها فهو بعيد من الإمكان بعده من الأمان .

     على أن النبى عليه الصلاة والسلام لو رأى الحكمة فى استخلافه لفعل ، ولم يكن من الممكن أن يعصى الصحابة وصيته أو يتألبوا على إخفائها .. والمقطوع به أنه لم يستخلفه ولم يستخلف أحدًا سواه ، وترك الأمر للمسلمين .

     ولكن المؤكد المعقول ، هو هذا الحب والإيثار اللذان أضفاهما عليه الصلاة والسلام على علىّ ، وربما مَهَّدَ به لأوانه حين يتهيأ الزمان ..

علاقة علىّ وسائر الصحابة

      أما العلاقة بين علىٍّ وسائر الصحابة من الخلفاء وغير الخلفاء ، فهى فيما يورد الأستاذ العقاد ـ علاقة الزمالة المرعية والتنافس الذى يثوب إلى الصبر والتجمل والتقية .. فليس فيما توفر من الأخبار والملامح ما يدل على ألفة حميمة بينه وبين أحد من الصحابة المشهورين ، وليس فيها كذلك ما يدل على عداوة وبغضاء .. بل ليس فى أخباره جميعًا ما يدل على طبيعة تحقد على الناس ،وإن دلت أحيانًا على طبيعة يحقد الناس عليها ويفرطون.

     فمن المعلوم أن عليًّا كان يرى أنه أحق بالخلافة من سابقيه ، وأنه لم يزل مدفوعًا عن حقه هذا منذ انتقل النبى عليه السلام إلى الرفيق الأعلى . واحتج المهاجرون على الأنصار فى أمر الخلافة بالقرابة منه صلوات الله عليه . قال : « ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله r فلجوا عليهم .. فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم ، وإن بغيره فالأنصار على دعواهم » .. كذلك كان رأيه فى الخلافة يوم بويع بها الصديق ، ثم بويع بها الفاروق ، ثم بويع بها عثمان ..

      ومع هذا اليقين الراسخ عنده فى حقه وحق غيره ، نرجع إلى سيرته وأحاديثه .. فنرى ولا ريب أنها أقل ما تشعر به النفس الإنسانية فى هذه الحالة من النفرة والنقمة ، ولا نجد فى خطبه ومساجلاته التى ذكر فيها الخلفاء السابقين كلمة تستغرب من مثله ، أو يتجاوز بها حد الحجة التى تنهض بحقه ..

      وأولى أن يقال إن دلائل وفائه فى حياتهم ، وبعد ذهابهم ، كانت أظهر من دلائل
جفائه . فإنه احتضن أبن أبى بكر محمدًا وكفله بالرعاية ورشحه للولاية ، وقد سمى ثلاثة من أبنائه بأسماء الخلفاء الذين سبقوه ، وهم أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ..

      ويخطئ جدًا من يتخذ فتواه فى مقتل الهرمزان دليلاً على كراهيته لعمر أو نقمة منه فى أبنائه .. فقد أسرع عبيد الله بن عمر إلى الهرمزان ، فقتله انتقامًا لأبيه ، ولم ينتظر حكم ولى الأمر فيه ولا أن تقوم البينة القاطعة عليه . فلما استفتى فى هذه القضية أفتى بالقصاص منه ، ولم يغير رأيه حين تغير رأى عثمان ، فأعفاه من جريرة عمله ..لأنه هو الرأى الذى استمده من حكم الشريعة كما اعتقده وتحراه ، وبهذا الرأى دان قاتله عبد الرحمن بن ملجم ، فأوصى وكرر الوصاية ألاّ يقتلوا أحدًا غيره لمظنة المشاركة بينه وبين رفقائه فى التآمر عليه  . وإنك لن تجد إنسانًا أعرف بالعهد ، ولا أصون له ممن يتذاكره فى حومة الحرب ، ويرى أن التذكير به ينزع السلاح من الأيدى ، ويعود بالخصمين المتناجزين إلى الصفاء والإخاء .. فما حارب علىٌّ عدوًا له سابقة مودة به إلاّ أن يذكره بتلك السابقة ويستنجد بالصداقة الأولى فيها على العداوة الحاضرة .. ومن ذلك موقفه مع الزبير وطلحة فى وقعة الجمل ، وهما ملحان فى حربه وإنكار بيعته .. فخرج حاسرًا لا يحتمى بدرع ولا سلاح ، ونادى : يا زبير ، اخرج إلىَّ ..فخرج إليه شاكا فى السلاح ، وسمعت السيدة عائشة فصاحت واحرباه ! .. إذ كان خصم علىٍّ مقضيًا عليه بالموت كائنًا ما كان حظه من الشجاعة الخبرة بالنضال . فلما تقابل علىٌّ بالزبير اعتنقا ، وعاد علىّ يسأله : « ويحك يا زبير ما الذى أخرجك ؟ .. » قال : « دم عثمان » .. قال : « قتل الله أولانا بدم عثمان » .. وجعل يذكره عهوده وعهود رسول الله ، ومنها مقالة النبى : « والله ستقاتله وأنت له ظالم » .. فاستغفر الزبير وقال : « لو ذكرتها ما خرجت » .

      ولما وقف علىٌّ على جثة طلحة بكى أحر بكاء ، وجعل يمسح التراب عن وجهه وهو يقول : « عزيز علىَّ أن أراك أبا محمد مجندلاً تحت نجوم السماء » وتمنى لو قبضه الله قبل هذا اليوم بعشرين سنة . فالعلاقة بينه وبين كرام الصحابة ، كانت علاقة الزمالة التى ينوب فيها الواجب مناب الألفة .. والعلاقة بينه وبين الخصوم ، كانت علاقة حسد غير مكفوف وبغض غير مكتوم .. والعلاقة بينه وبين سواد العامة ، كانت علاقة غرباء يجهلونه ولا ينفذون إلى لبابه ، وإن قاربه أناس معجبين ، وباعده أناس نافرين .. وتلك أيضًا ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ آية الشهيد .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *