فى مدينة العـقاد ـــ عبقرية الإمام ( 24)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

حكومة الإمام

     كانت الدولة الإسلامية الناشئة على شفا الخطر فى إبان الفتنة الداخلية التى قادت إلى مقتل عثمان ، والفتنة التى تسبب فيها عصيان معاوية وحربه للإمام .

    بيد أن عوامل الأمان التى تحيط بالدولة ، هى التى وقتها من عوامل الخطر التى
تهددها . وتخلص عوامل الأمان أو الوفاء فى عاملين :

    أحدهما ، أن الإسلام كانت دعوة طبيعية تلقاها العالم وهو مستعد لها مستريح إليها ، فرسخت دعائمه وامتنعت حدوده بعد أعوام قليلة من البعث ، وسكن إليه الناس مؤمنين بدوام ظله وشمول عدله  .

    وثانيهما ، أن أعداء الإسلام كانوا فى شاغل عنه بما أصابهم من الوهن وأحدق بهم من المخاوف ، وربما أغرتهم الفتنة التى شجرت بالانتظار طمعًا فيما سوف تحدثه آثارها مما يسهل لهم الوثوب بعدها . فسكتت نسبيًّا هجمات دولة الروم التى اقتصرت على هجمات ضعيفة تلقاها معاوية بالجلد والأناة .

     أما حصة الإمام بعد التحكيم الذى أخفق ، فقد كانت بمأمن من هجمات المتربصين بالإسلام من الأقطار المحيطة  .

    ولذلك فإن كل ما يدور حوله الحديث عن حكومة الإمام ، إنما ينصرف إلى السياسة الداخلية للحكم كما تجرى التسمية فى العصر الحديث .

*       *       *

     ومجمل القول فى سياسة الإمام ـ فى نظر الأستاذ العقاد ـ أنها  كانت سياسة الرجل الذى شاء القدر أن يجعله فدية للخلافة الدينية ..

     كان طريق علىّ ، هو طريق الخلافة المنزهة ، حين تقابل الدولة الدنيوية مقابلة الخصم للخصم ، أو النقيض للنقيض ..

     فالناس فى الحقوق سواء ..

     لا محاباة ولا إجحاف ..

    

    فقد عمد إلى القطائع التى وزعت قبله على المقربين والرؤساء ، فردها إلى مال المسلمين لتوزيعها بين من يستحقونها على سنَّة المساواة ، وقال : « إن فى العدل سعة .. ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق » . وفرض الرفق بالرعية على كل والٍ ، فلا إرهاق ولا استغلال . ومن وصاياه المكررة لولاته :« أنصفوا الناس من أنفسكم واصبروا لحوائجهم فإنهم خزان الرعية .. ولا تحسموا أحدًا عن حاجته ولا تحبسوه عن طلبته » .

     وكان دستوره فى تحصيل الضرائب المفروضة على الناس ، أن النظر فى عمارة الأرض أبلغ من النظر فى استجلاب الضريبة ، فكان يكتب إلى واليه : « تفقد أمر الخراج بما يصلح أهله .. فإن فى صلاحه وصلاحهم صلاحًا لمن سواهم ، لا صلاح لمن سواهم إلاّ بهم .. لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله وليكن نظرك فى عمارة الأرض أبلغ من نظرك فى استجلاب الخراج ، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ، ومن جلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ! » .

     أما دستوره فى الولاة والعمال ، فخلاصته ما كتب به إلى الأشتر النخعى يقول له :
« انظر فى أمور عمالك ، فاستعملهم اختيارًا ولا تولهم محاباة وأثرة .. وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم فى الإسلام ، فإنهم أكثر أخلاقًا ، وأبلغ فى عواقب الأمور نظرًا .. ثم أسبغ عليهم الأرزاق ، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك ، ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والعيون عليهم .. فإن تعاهدك فى السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية » .

      وعلى هذه العناية باستطلاع أحوال الولاة والعمال ، كان ينهى أشد النهى عن كشف معائب الناس ، أو كما كان يقول فى وصية ولاته : « وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم المعائب الناس .. فإن فى الناس عيوبًا ، الوالى أحق من سترها .. فلا تكشفن عما غاب عنك منها ، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك » . وكان ينهى عن بطانة السوء .

      وقد بلغ من حسابه للولاة أنه كان يحاسبهم على حضور الولائم التى لا يجمل بهم حضورها .. فكتب إلى عثمان بن حنيف الأنصارى عامله على البصرة : « أما بعد يا ابن حنيف ، فقد بلغنى أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة .. فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان وتنقل إليك الجفان .. وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم .. فما اشتبه عليك علمه فالفظه وما أيقنت بطيب وجهه فنل منه » . واستكثر على شريح قاضيه أن يبنى دارًا بثمانين دينارًا ، وهو يرزق خمسمائة درهم .. وحسب على أقل من هذا من هو أقل من شريح أمانة فى القضاء وحرجًا فى الدين ..

      ولن يفوت المتابع أن يلاحظ بُعْد سياسة الإمام عن العصبية ، وأن الحكم الإنسانى كان هو الطابع السائد فى شئون الحكومة .

     فالروح الإنسانى هو قوام حكومة الإمام كما ينبغى أن يكون .. جىء إلى عمر بن الخطاب بامرأة زانية يشتبه فى حملها ، فاستفتى الإمام ,, فأفتى بوجوب الإبقاء عليها حتى تضع جنينها ، وقال له : « إن كان لك سلطان عليها ، فلا سلطان لك على ما فى بطنها » . وانتزع امرأة من أيدى الموكلين بإقامة الحد عليها .. وسأله عمر فقال :« أما سمعت النبى r يقول : رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصغير حتى يكبر ، وعن المبتلى حتى يعقل ! » قال : « بلى» قال : « فهذه مبتلاه بنى فلان .. فلعله أتاها وهو
بها » قال عمر : « لا أدرى » قال : « وأنا لا أدرى » فترك رجمها للشك فى عقلها ..

       وهذه أمثلة قليلة من أمثلة كثيرة فى القصاص وتفسير الشريعة .

      وكان الإمام يذكر أبدًا فى حكومته أن الحقوق العامة لها شأن لا ينسى مع حقوق الأفراد . ومن ذلك ما نقله الطبرى عن بعض الأسانيد ، حيث قال : « رأيت عليًّا عليه السلام خارجًا من همدان ، فرأى فتيين يقتتلان ففرق بينهما .. ثم مضى فسمع صوتًا : ياغوثا بالله فخرج نحوه وهو يقول : « أتاك الغوث ..» فإذا رجل يلازم رجلاً ، فقال : « يا أمير المؤمنين .. بعت هذا ثوبًا بتسعة دراهم وشرطت عليه ألاَّ يعطينى مغمزًا ولا مقطوعًا ، فأتيته بهذه الدراهم ليبدلها لى فأبى فلزمته فلطمنى » فقال : « أبدله » ثم قال قال : « بينتك على اللطمة » فأتاه بالبينة .. قال : «دونك فاقتص» قال : «إنى عفوت يا أمير المؤمنين » قال : « إنما أردت أن أحتاط فى حقك » .. ثم ضرب الرجل تسع درات ، وقال : « هذا حق السلطان »  . وكان يكرر هذا الحكم فى كل ما يشابهه من أمثال هذا العدوان وهو أشبه المذاهب بمذهب الحكومات العصرية فى الحساب .

      وقد كان الإمام ـ رضى الله عنه ـ أول من خرج بالعاصمة من المدينة إلى أرض غير أرض الحجاز ، وهو الحجازى سليل الحجازيين ، واختار الكوفة التى كانت أوفق اختيار للإمامة العالمية فى تلك المرحلة . فقد كانت الكوفة ملتقى الشعوب من جميع الأجناس ، وكانت مثابة التجارة بين كثير من الأقطار ما بين الهند وفارس واليمن والعراق والشام ، ثم كانت العاصمة الثقافية التى نمت وترعرعت فيها مدارس شتى العلوم والآداب ، ومن ثم كانت أليق العواصم بحكومة الإمام الذى ظلت الإمامة لاحقة ومحيطة به حيث كان .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *