فى مدينة العـقاد ـــ عبقرية الإمام ( 23)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

من صواب الإمام

فى مشوراته وقراراته 

  يستشهد الأستاذ العقاد ببعض المختارات من مشورات وقرارات الإمام ، على ثاقب فهمه وثاقب رأيه .

      من ذلك ما أشار به على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ أَلاَّ يخرج بنفسه لحرب الروم والفرس ، فقال له « إنك متى تسـر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب ، لا تكن للمسلمين كائنة دون أقصى بلادهم .. ليس بعدك مرجع يرجعون إليه ، فابعث إليهم رجلاً مجربًا .. فإن أظهره الله فذاك ما تحب ، وإن تكن الأخرى كنت ردءًا للناس ومثابة للمسلمين » .

      ومن فهمه للرجال ، ووصفه لما يتبع مع كل منهم وأسلوب التعامل معه ، قوله لابن عباس وقد أرسله إلى طلحة والزبير : « لا تلقين طلحة ، فإنك إِنْ تلقه تلقه كالثور عاقص ـ أى لا ويًا ـ قوته يركب الصعب ويقول هو الذلول ، ولكن الق الزبير فإنه أليـن عريكـة فقل: « يقول لك ابن خالك عرفتنى بالحجاز وأنكرتنى بالعراق .. فما عدا مما بدا ؟ »

   ومن حزمه أنه كان يبث عيونه وجواسيسه فى الشرق والغرب ليطلعوه على أخبار أعوانه وأعدائه . وأنه كان إذا وجبت الحرب بادر بالخروج ولم يأته التردد والإبطاء بعد ذلك إلا من خلاف جنده .

      ومن معرفته للجماهير أنه وصفهم أوجز وصف حين قال إنهم أتباع كل ناعق ، وإنهم « هم الذين إذا اجتمعوا ضروا وإذا تفرقوا نفعوا » ..

      لأنهم إذا تفرقوا رجع أصحاب المهن إلى مهنهم فانتفع بهم الناس .

      وهذا الصواب فى الرأى كافٍ ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ لمهمة الحكم والخلافة إذا
كان العصر عصر خلافة وليس بعصر دولة دنيوية مضطربة فى دور تأسيسها وتلفيق أجزائها ..

      بل هو كافٍ لمهمة الحكم فى الدولة الدنيوية ، لو تولاها بعد استقرارها والفراغ من مكائد تأسيسها .. كما جاء عمر بن عبد العزيز فى صلاحه وتقواه بعد الملوك الأولين من بنى أمية ..

 

*       *       *

 

      المسألة ليست مسألة دهاء ، وإنما هى الفارق بين تعامل المُلْك وتعامل الخليفة .

      لن يكون ملك بأدوات خليفة .

      ولا خليفة بأدوات ملك .

      المشكلة كانت مشكلة عصر وما جعل يسود فيه .

      لم يكن معاوية زاهدًا فى الخلافة على عهد أبى بكر أو عمر أو عثمان ، ولكن الخلافة كانت زاهدة فيه .

      فلما جاء عصر المُلْك ، طلب معاوية المُلْك والملك يطلبه ..

      يوم فتح مكة قال أبوه للعباس عم النبى وقد رأى أرتال الفتح : « لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا » ، فرده العباس بقوله : « إنها نبوة لا ملك » .. وظل هذا الخلط بين النبوة والملك لدى أبى سفيان ، حتى جعل ينظر إلى الفىء يومًا ويقول للنبى r « لقد أصبحت أكثر قريش مالا » .

      ومرت السنين وأسلم أبو سفيان وابنه معاوية ضمن الطلقاء يوم فتح مكة ، وعاشا فى كنف الإسلام فى عهد النبوة ، وعهد أبى بكر وعمر ، حتى إذا ما آلت الخلافة إلى عثمان بن عفان ، أطمع انتماؤه « الأموى » ـ أطمع « أبا سفيان » ، فدخل على عثمان يكشف عن خبيئة ما يضمره ، ويقول له : « لقد صارت إليك بعد تيمٍ وعدىِّ ، فأدرها كالكرة واجعل أوتادها فى بنى أمية ، فإنما هو المُلْك ولا أدرى ما جنة ولا نار !! » ، فانتهره عثمان وأخرجه مطرودًا من عنده ..

      ونحن لا نتهم معاوية بما كان يضمره أبوه ، ولكنا نريد فقط بيان أن معنى المُلْك كان حاضرًا فى هذا البيت الذى ولد ونشأ فيه معاوية .

      فهو المُلْك ، أو جاه الدنيا ، الذى تطلع إليه ـ فيما يبدى الأستاذ العقاد ـ من نشأته الأولى فى بيته .

      وحين وجب الفصل بين المُلْك والخلافة ، وجب أن يكون علىٌ على رأس فريق الخلافة .. بينما يقف معاوية فى فريق المُلْك .

      وكان العصر قد صار عصر مُلْكٍ لا خلافة .. ولا حيلة لأحدٍ فى ذلك .

      ومن هنا فإن ظهور معاوية لم يكن فقط لما عنده من الدهاء والخديعة ، وإنما لأن الزمن قد صار زمن ملك ، ومعاوية يطلب المُلْك ، والمُلك يطلبه .

      وقد ساعد معاوية أيضًا المناوآت التى أتت الإمام من معسكره ، وقد مَرَّ بنا جانب من اعتراضات وإعاقات « الأشعث بن قيس » التى فتت فى عضد معسكر الإمام ، وهيأت ـ بقصد أو بغير قصد ـ لمعاوية وحزبه ، ولم يكن الأشعث بن قيس وحيدًا فى هذا الباب ، بل كان له شركاء وأشباه من الخوارج ومن غير الخوارج .

      وربما يقول قائل لماذا لم يبطش الإمام بالأشعث وأمثاله ، ويولى مكان كل منهم من يقوم مقامه ؟ إلاَّ أن ذلك فضلاً عن مخالفته لطبع وقيم وشمائل الإمام ـ مجازفة ذات حدين ، ولو فعل الإمام شيئًا من ذلك لما كان اليوم ولآخر الزمن الإمام الفارس الخلوق صاحب الإسلام المتين والخلق الرفيع !

      فإذا كان التقدير بمقاييس الدنيا ، فإن السياسة التى اتبعها الإمام ، كانت هى السياسة المقيضة له المفتوحة بين يديه ، ولم يكن له محيد عنها حتى لو قبل وأراد ، ولم يكن له أمل فى النجاح إنْ حاد عنها إلى غيرها .

*       *       *

      ومهما يكن من حكم الناقدين لسياسة الإمام ، فإن من الجور الشديد ـ فى رأى الأستاذ العقاد ـ أن يُطالب بدفع شىء لا سبيل إلى دفعه ، وأن يُحاسَب على مصير الخلافة التى تكأكأت عليها كل الظروف من كل جانب ، ولم يعد الزمان زمانها ، وإنما تفتحت أبوابه على مصاريعها للمُلك ومطالبه وأعطياته !

      وقد كتب لعلى أن يتلقى الدولة الإسلامية بين هذين المعسكرين ، فلا فى مقدوره أن يجمعهما إلى عسكر واحد ، ولا فى مقدوره أن يختار معسكر المُلْك أو يسير على سننه ، ولا أن تستمر على يديه الخلافة الدينية بعد انتهاء أوانها !

      لقد باء علىّ بالشهادة فى سبيل الخلافة ، والتى كان لابد لها من شهيد !!!

*       *       *

      ينبغى علينا إذن أن نرجع إلى علة غير سياسة علىّ لتعليل العوائق التى قامت دون مبايعته ، قبل الصديق والفاروق وعثمان ..

      وأنت لا تستطيع أن تسقط هنا النظرة العصبية التى نظرت بها قريش إلى « السيادة الهاشمية » ، ولا أن تتجاهل كراهة قريش لخلافة على الذى باتت لكثير من بطونها تارات ضده لبلائه وما نتج عنه وقت أن حاربوا الإسلام ورسوله .

      فلما كان المشهد الأخير ، زاد عليه غلبة منافع الدنيا التى صبت فى صالح معاوية ، ولم يكن بوسع الإمام ـ ولا من خلقه ودينه ـ أن يطاوعها . وكيف يطاوعها وقد سببت ثورة انتهت بدم خليفة اجتمع عليه المتمردون وقتلوه فى بيته وبين أهله وهو يقرأ القرآن !

      ومن الملاحظات التى لا تفوت ، أن آداب علىّ التى هى آداب الخلافة ، قد حببته إلى كل طبقة تكره استغلال الحكم ، فكان من حزبه شعب اليمن ومصر وفارس والعراق ، بل ونشأت فى اليمن طائفة السبئية التى غلت فى حبه حتى ارتفعت به إلى مرتبة التقديس ، وانتثرت فى مصر وفارس بذور تلك الشيعة العلوية والفاطمية والإمامية التى ظلت كامنة فى تربتها حتى أخرجت إرهاصاتها بعد أجيال ، ولم تشذ عنها إلاَّ الشام لأنها كانت فى يد معاوية ، وشذت بعض أطراف من العراق أول الأمر لأنها كانت فى يد طلحة والزبير ، ولم يشذ عن محبة الإمام بلد من البلدان الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها .

      وأغلب الظن بل أغلب اليقين ، أن عليًّا كان يخسر هؤلاء إذا ما خرج عن آدابه التى أحبوه من أجلها ، واتبع سياسة الدنيا والمُلك !!

      كان الإمام على هو نعم الخليفة ، لو صادف أوان الخلافة .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *