فى مدينة العـقاد ـــ عبقرية الإمام ( 22)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

  وقع الحوادث والمعضلات

لا ضعفًا فى قدرة أو سياسة الإمام

      لا محل للقول بأن عليًّا رجل شجاعة لا سياسة ، أو أن معاوية أرجح منه فى الدهاء ، لأن القضية لا تحسب بهذا الحساب ، وإنما بالقدرة الكامنة وما يستسيغه أو لا يستسيغه هذا أو ذاك بالنظر إلى قيم ومبادئ الإسلام .

    روى عن علىّ قوله : « …. والله ما معاوية بأدهى منى ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس » .

    وأحسب أن هذه قالة صدق وحق   

    وقد قال معاوية نفسه عما أعين به على علىًّ : « كان يسعى حتى يفاجئه الأمر مفاجأة ، وكنت أبادر ـ إلى ذلك ، وكان فى أخبث جند وأشدهم خلافًا ، وكنت أحب إلى قريش منه ، فنلت ما شئت » .

    وأحب أن أتوقف ـ شخصيًا ـ عند قالة معاوية إنه كان أحب إلى قريش ، وعندى أنها مقولة صادقة على ما فيها من مرارة . وقد تعرضت لهذه القضية فى مقال تفصيلى وجهت فيها رسالة فحواها أن الإمام علىّ لاقى على صدقه وحسن بلائه للإسلام جزاء سنمار ، وأستاذنكم وأستأذن الأستاذ العقاد ، فى أنى أضع أمام القارئ بعض ما أبديته فى هذا المقال المنشور بأخبار اليوم فى 13/8/2016 تحت عنوان : « الجد و الأخلاص ، والتيارات المعاكسة » ، وأعيد نشرة فى كتاب : « مدارات فى الفكر والأدب والحياة » ـ دار المعارف 2016 ـ قلت فيه : « يُصاب المرء بخيبة أمل ، حين ينتظر جزاءً معجلاً ، أو ينشده فى غير أهله ، فإذا تراخى أو لم يصله ، أصابه الضيق وربما اليأس والإحباط !

     ومحال أن يُصاب المستغنى بشىء من ذلك ، لأن استغناءه حرره من طلب الثمن أو انتظار الجزاء ، ولذلك قيل إن من استغنى تحرر ، وقيل أيضًا اتق عفـة المستغنـى ، فهو لا ثمن له !

     ولو انحصر الناس فى نشدان الأجر والجزاء ، لما خرج الإنسان من ربقة الأرض وأثقال الماديات ، ولما استطاع أن يحلق فى آفاق الإخلاص ومتعته فى ذاته ، ومتعة ما يصاحبه من عطاء لا ينتظر أن يقايض به على ثمن أو جزاء .

     ولو نظر الإنسان حوله ، وتأمل فى ديوان الماضى وعبره ، لرأى من المفارقات ما يوقظه إلى معانٍ لم يكن يراها .

     كثيرًا ما يدفع المخلص ثمن إخلاصه ، لا بما بذله فيه فقط أو تحمله لأجله من منافحة وعناء ، وإنما فيما يدفعه ثمنًا من حياته ومستقبله لهذا الوفاء .

     غاب عن كثيرين لماذا تأخرت الخلافة عن الإمام علىّ بن أبى طالب ، وقاومها البعض وهو الجدير بكل المقاييس بها ، لا لقرابته كما قال البعض أو تقولوا ، وإنما لمناقب وصفات ومقدرة وجدارة وأهلية شهد بها دوره العظيم فى المنافحة عن الإسلام ، ودفعه الطغاة والمشركين عنه ، ومجاهدة من أرادوا السوء به ، وبرسوله وبالمسلمين حتى تعرض للموت مرارًا ، وصار شهيدًا يمشى على الأرض وقد قضى نحبه !

     ولو تأملوا لفهموا ما فهمه عمر بن الخطاب حين قال باستقامته وعدله يوم اختار أهل الشورى ليكون الخليفة منهم : « لو ولوها الأجلح ( وهى كناية عن على ) لحملهم على الجادة » . لقد أدرك عمر مما خبره ولاقاه ، أن « الجادة » صارت مشكلة من لا يرغبون فيها طلبًا للترخص والتنعم ، وتجنبًا لشدة الحق !

    ولم تكن هذه « الجادة » الشبيهة بجادة عمر نفسه ، هى كل دوافع الكارهين لخلافة الإمام علىّ ، إنما كان يدفع فى الواقع ثمن إخلاصه حتى الموت فى المنافحة عن الإسلام ورد الطغاة والمشركين عنه . كان هؤلاء آنئذٍ ، فى بدر وأُحُد والأحزاب ، هم كبار زعماء البطون القرشية ، أصحاب الطول والعصبية ، واجتبى علىّ من هؤلاء فى منافحته عن الإسلام ، فقضى منهم كثيرون فى منازلات كان هو بطلها الحاضر على الدوام ، وانحصر الثأر فيه بعد أن نالوا من حمزة فى أُحُد ، ولن تفهم ما طويت عليه هذه القلوب ، إلاَّ إذا راجعت فى ابن إسحق وابن هشام سجلات من فقدتهم قريش فى تلك المواقع ، وعلى يد مَن مِن المسلمين ، فقد كانت هذه هى العادة آنذاك ، أن يُعزى كل مصاب إلى من أصابه ، وسوف تجد أن الفدائى الأول علىّ ، كان صاحب النصيب الأوفى فى كل المعارك ، حتى صارت له ثارات فى كافة البطون القرشية ، وكان الطلقاء من هؤلاء الذين بقيت الثارات ناشبة فى قلوبهم ، فضلاً عن كراهة « الجادة » التى كرهها من أثروا ، ورأى عمر مقدماتها قبل أن يطعنه المجوسى فيما أظن أن الطعنة كانت موجهة إلى الإسلام ذاته فى شخص الفاروق .

     المفارقة التى تغيب على غير المتأملين ، أن للإخلاص ثمنًا يدفعه المخلص ولا يتقاضى مقابله فى معظم الأحيان !

     يدفعه بسبب من أُضيروا من إخلاصه ، وضاقوا باستقامته ومضائه !

     ويدفعه بسبب من نفسوا عليه كفاءته ، وحسدوه على تميزه ومكانته !

     وقد جمع الإمام علىّ بين هذه وتلك ، فلا تتعجب حين ترى ما لاقاه من تربص يناقض ما بذله من إخلاص فى المنافحة عن الإسلام !

     فلا تنتظر من الناس كثيرًا تُحمد عاقبته بعد طول انتظار !

 

التاريخ غالبًا ما يعيد نفسه !

 

     لم يكن مثال الإمام علىّ فريدًا فى بابه بين عبر التاريخ ، فالحاضر ـ والماضى قبله ـ مليئان بصور شتى من جحود الإخلاص والمخلصين ، وإن اختلفت الظروف والمشاهد ، ولكنها مردودة إلى قاعدة لا يفتأ التاريخ يقدم دروسها .

   كثيرًا ما نرى فى الصدارة من احترفوا الاستعراض والفهلوة وانتهاز الفرص ، وغلبت هذه الآفات على بضاعتهم التى تصل إلى ما لا يصل إليه جد الجاديـن ، وإخلاص المخلصين !

     تتوه البوصلة ، حين يتقدم النفاق والرياء والزلفى ، ويتراجع الوقار والاحترام ، وحين تحل المصالح الصغيرة محل الغايات الكبرى ، وحين ينال الإمّعات بالزلفى ما لا يناله بالجد والاجتهاد أصحاب الإخلاص والمقامات ! »

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *