فى مدينة العـقاد ـــ عبقرية الإمام (21)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

اعتزال الخلافة من البداية

     يرى أصحاب هذا الرأى ، أنه كان الأجدى للإمام ، أن يعتزل الخلافة من البداية ، حيال المعضلات التى اشرأبت ولم يكن عسير عليه أن يتوقعها .

     ولكن الأستاذ العقاد يرى أنها « خطة سلبية » لا يُمتحن بها رأىٌ ولا عمل ولا ترتبط بها تجربة ولا فشل ، وكل أسباب ترجيحها تنحصر فى أنها أسلم للإمام وأهدأ لبالة وأمان له . إلاَّ أن ذلك ـ فيما يرى ـ أمر مشكوك فيه ، فضلاً عما فى طلب السلامة من أثرة ، قلما يرتضيها الشجاع الباسل أو الحكيم العاقل .

     ويستدل الأستاذ العقاد على أن إيثار السلامة مشكوك فى نتائجه ، بما شاع من أن الحسن بن علىّ قد مات مسمومًا مع أنه آثر السلامة وأبرم صلحًا مع معاوية ، ولكن الخشية من مكانته ، دفعت إلى دس السم له ليموت قبل أن يفكر أو تدعوه الحوادث للمنافسة ! أو خوفًا من لياذ الناس به ورجوعهم إليه ! وقيل مثل ذلك على ابن خالد بن الوليد .

     وما أعظم البون فى المكانة والحساب بين هذين ، وبين الإمام علىّ الذى لا مراء فى أن المخاوف منه أكثر وأعرض لدى أصحاب المخاوف ، أو لدى أصحاب المطامع والآمال !

     وخلاصة ما يومئ إليه الأستاذ العقاد ، أنه حتى وإن اعتزل ، لم يكن لمثله أن يُتْرك لحاله !

     ومع صواب ما أبداه الأستاذ العقاد ، إلاَّ أنه يتناول الناحية « الشخصية » والحساب
«
الشخصى » فقط فيما يتعلق بالإمام ، وينحصر فيما كان أفضل له « شخصيًا » فى هذا المعمان ؟!

      ولكنى أعتقد أن المسألة أبعد وأعرض من الحساب الشخصى ، أو إيثار السلامة طلبًا للأمان الشخصى وراحة البال الشخصية .

     فهناك جانب أكبر وأعمق وأعم ، كان ملقى على عاتق الإمام ، ولا يجوز لمن مثله أن يتخلى عنه ، فالخلافة عنده تكليف وواجب ، لا مطمع ولا تشريف ، وعلى كاهله مزيج من « فرض العينٍ » ومن « فرض الكفاية » ، فمواجهة المعضلة واجب عينى وفرض عينٍ على كل المكلفين من ناحية ، وواجب كفائى وفرض كفاية على الكفء من ناحية أخرى . والدعوة إلى الحق ، ومناصرته ، من فروض الكفاية التى لم يكن هناك من يستطيع القيام بها فى هذا الظرف العصيب غير الإمام علىّ .

     والحسبة هنا تتعلق ـ فى رأيى ـ بالإسلام وبالأمة الإسلامية ومصيرها ومستقبلها ، لا بشخص الإمام بحساب المكسب والخسارة .

    ولتتضح صورة ما أعنيه ، ماذا كان يمكن أن يحدث للأمة وللإسلام إذا ما آثر الإمام على السلامة ، واعتزل الخلافة من البداية ؟!

     هذا تساؤل واجب ، والتعرف على احتمالاته أوجب ..

    لم يكن هناك أدنى شك فى أن معاوية متطلع إلى الخلافة ، مصمم على تحقيق ما يطمح ويتطلع إليه ، فإذا كان الإمام علىّ ـ على مكانته وسابقته لم يثنه عن هذا التطلع والطموح ، فماذا إن كان المنافس أو المنافسين أدنى مكانة وأقل سابقة من الإمام ؟!!!

     لقد كان طلحة بن عبيد الله متطلعًا وبقوة للخلافة ، بل وكان يتوقع أن يليها بعد الصديق وكلاهما من « تيم » فقال له أبو بكر : « أما والله لو وليتك ، فجعلت أنفك فى قفاك ، ورفعت نفسك فوق قدرها حتى يكون الله هو الذى يضعها » ، أما وقد فاتته فلا محل لأن تفوته بعد عمر ، ولولا مجلس الشورى وما صاحبه وانتهاء البيعة إلى عثمان ، لكان طلحة أسرع إلى المطالبة بالخلافة ، ولعل ذلك ما يفسر مهاجمته المستمرة لعثمان وانتقاده الشديد له طوال خلافته !

     ولم يكن الزبير بن العوام بأقل تطلعًا للخلافة من طلحة ، فهو ابن عمة رسول الله ، وزوج أسماء بنت الصديق ، وبلاؤه فى الإسلام وفى الجهاد معروف ، وهو بدوره أحد العشرة المبشرين بالجنة .

     فإذا كانت السيدة عائشة تميل إلى طلحة بحكم قرابتهما فى « تيم » ، وتميل إلى الزبير بحكم صهره وزواجه من أختها أسماء وأبوته لعبد الله بن الزبير الذى احتضنته من طفولته ، وخرجت من ثم معهما إلى البصرة حيث دارت موقعة الجمل ، فإنها كانت أقرب إلى هذا الخروج إذا كان المنافس لهما معاوية المحسوب من الطلقاء الذين أسلموا بآخرة يوم فتح مكة !

     فهل كان يمكن لهذا الصراع ـ مسايرة لهذا الغرض ـ أن يجرى على ما جرى عليه مع الإمام ؟!

     إن الزبير بن العوام عَدَل وترك الميدان عندما ذكَّرَه الإمام علىّ بما كان منه معه ، وعتاب الرسول عليه السلام له بأنه سيقاتل عليًّا وهو له ظالم ، وصمم على الانصراف رغم الإلحاح الشديد عليه من ابنه عبد الله ، ومن المعروف أن الزبير لم يقتل إلاَّ غيلة وهو يصلى فى وادى السباع ، وأن عليًّا بَشَّر قاتله بالنار !

     والمشهد المؤثر الذى استقبل به الإمام مصرع طلحة ، وترحمه عليه ، ومسح التراب عن وجهه ، إلى آخر ما رأيناه بين الصاحبين ، كان مستحيل الحدوث أو التصور لو كان معاوية هو الخصم وليس الإمام علىّ صاحب النخوة والفروسية والخلق الرفيع والإسلام العميق .

     أما عن السيدة عائشة ، وقد مَرَّ بنا كيف تعامل معها علىّ وكيف أكرمها وحفظها وحرسها وودعها ومشى فى ركبها أميالاً وأرسل معها من تقمن على خدمتها وحراستها ورعايتها ، فإنه ذلك كان محالاً مع معاوية لأسباب كثيرة لا تفوت !

      خلاصة ما أردت أن أسترعى إليه الالتفات ، أنه لا أحد يعرف أو يمكن أن يعرف ماذا كان يمكن أن تؤول إليه الأمور لو آثر علىّ السلامة ، واعتزل الخلافة ، ومن هم الطامعون الذين حجبهم تقدم الإمام ، وما كان يمكن أن تجر إليه أطماعهم ، والصراع العريض الذى سينشأ حتمًا بين هؤلاء المتنافسين أو المتصارعين ، وبين معاوية وما هو عليه من منعة بالشام اصطنعها لعشرين عامًا ؟!!

     من المؤكد أن اعتزال الإمام للخلافة من البداية ، كان سيجر على الأمة وعلى الإسلام أفدح الأضرار ، التى من المؤكد أن وجود الإمام جَنَّب الإسلام وجَنَّب الأمة من أخطار فادحة ، أفدح كثيرًا ، وربما تجاوزت الأمة إلى الدين .

     ظنى أن موقف الإمام بعدم اعتزاله الخلافة من البداية ، موقف من أعظم مآثره التى يستحق عليها الإجلال والإكبار ، لا النقد أو الملام !

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *