فى مدينة العـقاد ـــ عبقرية الإمام ( 20)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

فى القصاص والقود

من قتلة عثمان

 

     هذه المسألة من الخدع الكبرى التى مارستها سياسة معاوية ومن جرى مجراه فى التقليب على الإمام بغير حق !

    فقد طالبوا الإمام بالقود ولم يبايعوه !

    وطالبوا به ولم يعرفوا من القتلة ، ومن تحديدًا الذى يؤخذ بدمه !

    وأعنتوه بهذا الطلب وهم يعلمون أنه لا يستطيعه مع احتدام الثورة ، وقبل أن تثوب المدينة إلى السكينة ، ويتمكن سلطانه .. بينما قعد معاوية وحزبه ، وهم ولاة الدم حسبما يتقولون ـ عن القود والقصاص حين قبضوا على عنان الحكم وثابت السكينة إلى جميع الأمصار ! وقد تعلل معاوية لابنة عثمان بعد أن استقرت له الأحوال تمامًا ، بعلة كان الأولى أن يُعْذر بها الإمام وقتما دبر له معاوية وحزبه كل هذا الإعنات !!!

وقد تحدث الإمام مرة فى أمر القود من قتلة عثمان ، فإذا بجيش يبلغ عشرة آلاف يشرعون الرماح ويجهرون بأنهم « كلهم قتلة عثمان » فمن شاء القود فليأخذه منهم أجمعين .

    وكان الإمام يقول لمن طلبوا منه إقامة الحدود : « إنى لست أجهل ما تعلمون ، ولكنى كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم ، هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم ، وهم بينكم يسومونكم ما شاءوا ، فهل ترون موضعا لقدرة على شىء مما
تريدون ؟ .. » .

    ومن قوله لهم : « .. إن هذا الأمر جاهلية ، وإن لهؤلاء القوم مادة ، وإن الناس من هذا الأمر الذى تطلبون على أمور : فرقة ترى ما ترون ، وفرقة ترى ما لا ترون ، وفرقة لا ترى هذا ولا هذا حتى تهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها ، وتؤخذ الحقوق فاهدءوا عنى ، وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا » .

    ومن ذلك يبين أن معاوية وحزبه طالبوا بما يعلمون أنه مستحيل الإجابة فى الوقت والظرف الذى أثاروا فيه هذا الطلب !

    ومما روى أن السيدة عائشة ، قالت لدى علمها ببيعة علىٍّ وهى خارجة من مكة :
« ليت هذه انطبقت على هذه إن تَّم الأمر لعلىٍّ » تشير إلى السماء والأرض .. ثم عادت إلى مكة وهى تقول : « قتل الله عثمان مظلوما ، والله لأطلبن بدمه » ..

    فقيل لها : « ولم ؟ .. والله إن أول من أثار الناس عليه لأنت .. ولقد كنت تقولين : أقتلوا « نعثلا » فقد كفر » .

    فقالت : « إنهم استتابوه ثم قتلوه ، وقد قلت وقالوا ، وقولى اليوم خير من قولى
الأول » .

    فإذا كان هذا شأن السيدة عائشة وهى من هى ، فماذا كان شأن معاوية وحزبه !!

 

التحكيم

 

    من المفارقات العجيبة ، أن من لاموا عليًّا على تردده فى قبول التحكيم ، عادوا فلاموه على قبول التحكيم ، ولعلهم كانوا يلومونه لومًا أشد لو رفض التحكيم وأصر على رفضه !

    واللائمون الذين صوبوا التحكيم ، واقتصروا على تخطئة قبول « أبى موسى الأشعرى » ، ينسون أو يتناسون أن أبا موسى فُرِضَ عليه فرضًا فى ذات اللحظة التى فرض عليه التحكيم فرضًا .

   وقد كان أولى باللائمين من المؤرخين ، أن يتوقفوا ويبحثوا فى الدور الذى اضطلع به
« الأشعث بن قيس » أكبر سادات كندة فى هذه المحنة ، والاضطراب الذى اصطنعه اصطناعًا فى معسكر الإمام ، والتهمة التى دارت حول ابنته : « جَعْدَة بنت الأشعث بن
قيس » بأنها دست السم لزوجها « الحسن بن على »
فى بعض شرابه وطعامه بتحريض من معاوية أو ابنه يزيد .

    على أن أيًّا كان الرأى فى هذه القصة ، فإنها جديرة بأن تخضع ـ فى رأيى ـ للبحث والاستقصاء ومعها موقف أبيها « الأشعث بن قيس » الذى كان الأساس فى الحشد الذى فرض به قيود التحكيم على الإمام ، وفرض معه أن لا يمثله فى هذا التحكيم سوى « أبى موسى الأشعرى » .

    كان هذا ـ فى رأيى الشخصى ـ أولى بالبحث و التمحيص ، من الإسراع بإلقاء اللوم على الإمام لقبوله التحكيم أو بقبوله الحكم « أبى موسى الأشعرى » ، فقد كان « الأشعث بن قيس » وراء فرض التحكيم ، ووراء فرض الأشعرى ، ورفض ترشيح الإمام لاىٍّ من
عبد الله بن عباس أو الأشتر النخعى ، ووصلت الأمور إلى بث الفوضى فى معسكر الإمام ، والتهديد بقتلة ، وبدت
ـ فيما مَرّ بنا ـ تساؤلات مهمة بلغت حد الاتهام بتواطؤ الأشعث مع معاوية على منفعة مؤجلة ومكافأة موعودة ، لأن النية الخبيثة ظاهرة ـ كما قال الأستاذ العقاد وأسلفناه ـ وإن استترت العلة ، وإنه أيا كانت العلة الخفية ، فقد صنع هذا الرجل ـ فيما قال الأستاذ العقاد سلفًا ـ غاية ما استطاع لتغليب حزب معاوية وخذلان حزب الإمام الواقف فيه !

    فإذا كان هناك عذرٌ للاَّئمين وقت أحداث التحكيم ، فإنه لا عذر بعد لأحدٍ فى نظرى ـ بعد أن أثير الدور المنسوب « لجَعْدة »ابنة الأشعث وزوج « الحسن بن على » ، والتى نسب إليها دسّ السم فى طعام زوجها بتكليف من معاوية أو ابنه يزيد ، لتخلص الملكية الوراثية لمعاوية فى ذريته بعد أن تخلص من منافسه الأكبر « الحسن بن على » ! وفى رواية ساقها ابن الأثير فى أسد الغابة وفى الكامل فى التاريخ ، وابن كثير فى البداية والنهاية ـ أن الذى حرض « جَعْدة بنت الأشعث بن قيس » هو « يزيد بن معاوية » ، وأنه مناها بالزواج بها من بعده ، وأنها لما بعثت إليه بعد وفاة الحسن ، رد عليها قائلا : « إنا والله لم نرضك للحسن ، أفنرضاك لأنفسنا ؟ » .

    وليس فى وسعنا ـ فيما أرى ـ أن نؤكد هذه الروايات أو نجزم بها ، على أن ليس صوابًا تجاهلها تجاهلاً تامًا ، وأولى ما فيها بوجوب التحقق منه ، هو لماذا لم تدر الروايات ـ أو حتى المزاعم ـ إلاَّ على « جَعْدة بنت الأشعث قيس » ، دون باقى زوجات الحسن ؟! . إن هذه الملاحظة بذاتها بغض النظر من سلامة باقى الرواية ، جديرة بالتوقف عندها وفحص أسبابها بالنظر إلى ما قيل ـ بحق ـ عن الدور الذى اضطلع به أبوها الأشعث فى الترتيب الذى أفاد معاوية وحزبه ، والتخذيل من حول الإمام علىّ الذى كان ينضوى فى معسكره !

    وأعود إلى الأستاذ العقاد ما أبداه فى شأن التحكيم .

    فقد لاحظ ـ عن صواب ـ أن الموقف الذى وُضع فيه الإمام كان مليئًا بالصعاب والعراقيل والتأويلات المتباينة واللجاجة والجدال ، بينما كان سهلاً لمعاوية أى مخرج شرعى يلوذ به فيقبله منه أصحابه ويتابعونه على نقض ما عساه يكون حكم الحكمين إذا اتفقا على غير هواه !

    ويتساند الأستاذ العقاد فى هذا الاستخلاص عن « التساهيل » المتاحة فى حزب معاوية ، أنهم حين تحرج الذين معه من قتل « عمار بن ياسر » الذى تحدث الرسول عليه الصلاة والسلام عنه فقال : « تقتله الفئة الباغية » ، سرعان ما وجدوا تخريجًا فجًّا سرعان ما قبلوه رغم فجاجته ، وهو أن الذين قتلوا عمارًا هم الذين جاءوا به إلى الحرب !

    هذا منطق أو حيلة من لا منطق له ولا حق معه ، فلا محل على الإطلاق لأى ملامة للإمام على قبولة التحكيم الذى فرض عليه ، ولا على قبوله « أبى موسى الأشعرى » الذى فرض عليه فرضًا رغم اعتراضه الشديد عليه ، وترشيح البديل الذى لم يقبله المجادلون لذرائع لا تستقيم بها حجة !!!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *