فى مدينة العـقاد ـــ عبقرية الإمام ( 18)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

سياسته

     يقصد الأستاذ العقاد بهذا الباب  : سياسة الإمام علىّ فى معالجة أسباب الفتنة ، وما نجم فى المجتمع نتيجة هذه الأسباب ، وما الذى كان جديرًا أن تعالج به ، وهل أصاب الإمام فى مواجهته وعلاجه لهذه الأسباب ، أم فاته التوفيق والسداد .

    دعا الأستاذ العقاد إلى تخصيص هذا الباب ، الأحكام الشائعة المرتجلة التى تقول إن
« علىّ بن أبى طالب » شجاع ، ولكنه لا علم له بخدع الحرب والسياسة .

     فما هو الأدنى إلى الصواب فى هذا القول ؟!

     يطرح الأستاذ العقاد هذه القضية بتساؤل مؤداه : هل خطر لأحدٍ من ناقدى علىّ ، فى عصره أو بعد عصره ، أن يسأل نفسه : أكان فى وسع علىّ غير ما صنع ؟

     وقد أضيف شخصيًّا إلى تساؤل الأستاذ العقاد ، تساؤلاً آخر لا يبعد بنا وبه عن الغاية : هل سأل أحد من هؤلاء نفسه ، أكان يُقَبل من علىّ مع ورعه وتقاه وصفحته المضيئة فى الإسلام ، أن يصنع غير ما صنع ؟

     وهل خطر لأحد من هؤلاء أن يسأل بعد ذلك : هَبْهُ استطاع أن يصنع غير ما صنع ـ ماذا كان يمكن أن تكون العاقبة ؟! وهل من المحقق فى عرف المتباهين بخدع الحرب والسياسة ـ أن يفضى هذا الصنيع ( المطلوب منه ) إلى عاقبة أسلم من العاقبة التى سارت إليها الأمور ؟

     والذى يبدو للأستاذ العقاد ، من تقديره للعواقب على وجوهها المختلفة ، أن العمل بغير الرأى الذى التزمه علىّ ـ لم يكن مأمون النجاح ( بلغة السياسة ) ، ولا كان مأمون الخطر
( بلغة السياسة أيضًا ) ، بل ربما العكس هو الصحيح .

     لقد أخذ المتحدثون بلغة السياسة ، على الإمام ـ ستة أمور :

1ـ  عزله معاوية .

2ـ  معاملته طلحة والزبير .

  عزله قيس بن سعد من ولاية مصر .

  عدم تسليمه قتلة عثمان .

  قبوله التحكيم .

6ـ  قبوله الخلافة .

 

عزل معاوية .

 

     أما عن عزله معاوية ، فقد جاءه المغيرة بن شعبة ، أحد دهاة العرب فيما يقال ، فقال له : « إن لك حق الطاعة والنصيحة ، وإن الرأى اليوم تحرز به ما فى غد ، وإن الضياع اليوم تضيع به ما فى غد . أقرر معاوية على عمله ، وأقرر العمال على أعمالهم ، حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعة الجنود استبدلت أو تركت » .

      فأبى الإمام هذه المشورة ، وقال : «لا أداهن فى دينى ، ولا أعطى الدنية فى أمرى» . فقال المغيرة : « فإن كنت أبيت على فانزع من شئت واترك معاوية ،  فإن فى معاوية جرأة وهو فى أهل الشام يستمع له ولك حجة فى إثباته .. إذ كان عمر قد ولاه الشام » .. فقال علىّ : « لا والله .. لا أستعمل معاوية يومين » .

     ورُوى أن ابن عباس ، كان من رأيه الذى أبداه للإمام ، أن المغيرة قد نصحه بالصواب ، فلما سأله الإمام لماذا يرى الصواب فى هذه النصيحة ، قال ابن عباس : « لأنك تعلم أن معاوية وأصحابه أهل دنيا ، فمتى تثبتهم لا يبالوا بمن ولى هذا الأمر ، ومتى تعزلهم يقولوا أخذ هذا الأمر بغير شورى ، وهو قتل صاحبنا ، ويؤلبون عليك فينتقض عليك أهل الشام وأهل العراق » .

     والسؤال الواجب : هل الإمام يستطيع أن يقر معاوية فى عمله بالشام ؟

      جواب الأستاذ العقاد ، أنه ما كان يستطيع ذلك لسببين :

أولهما  أنه أشار على عثمان بعزله أكثر من مرة ، فلما اعتذر إليه عثمان بأن عمر بن الخطاب هو الذى ولاه ، لم يقبل الإمام هذا العذر أو الاعتذار ، وقال ردًّا عليه : « إنه ـ أى معاوية ـ كان أخوف لعمر بن الخطاب من غلامه «يرفأ» .. ولكنه بعد موت عمر لا يخاف ! » .

     فهل فى وسع صاحب هذا الرأى أن يعدل عن الرأى الذى أبداه وألحَّ به ، لمجرد أنه صار الخليفة أو الإمام ، وما عذره أمام نفسه وأمام الناس ، إذا تحول هذا التحول !

     وهل كان هذا التحول ـ إذا قبلته قيم ومبادئ الإمام ! ـ كافلاً أن يرتضيه الثائرون ، وأن يئد الفتنة التى ثارت ؟!!

     ثم ، هل لو تجاهل الإمام ذلك كله ، وخالف طبعه ومبادئه وقيمه ، ولم يبال بالثوار وبالثورة وأسبابها ـ هل لو تجاهل الإمام ذلك كله ، وسار تبعًا للنصح الذى أبداه الدهاة ـ
هل كان ذلك أسلم وأدنى إلى الوفاق ، وإلزام معاوية بالطاعة لحين تسنح الظروف
بتبديله .

    كلاَّ ، ليس من باب الرجحان الذى ارتضاه الأستاذ العقاد ، بل من باب اليقين المؤكد الذى لا مراء فيه .

    إن معاوية صاحب غرض لا يخفى على الأريب ..

    وإن معاوية قد اهتبل فرصة سنحت للتطاول مستفيدًا بما أعد نفسه له بالشام ..

    وما كان إقرار الإمام له ، إلاَّ حجةً على « علىٍّ » لمعاوية ، سوف يغتنمها معاوية
ولا شك ، مضيفًا إلى رصيده الذى يهيئ له الأسباب ، أنه لا حجة لعلىٍّ عليه وقد أقره على عمله !!!

    ولم يكن معاوية ليفوته أن الفرصة التى سنحت لا تقبل الإرجاء !

    وما كان ليفوته أيضا ـ أن إقراره على عمله سيكون إلى حين ، سيجرى من بعده
تغييره .

    إن القائلين بهذا الرأى ـ وبلغة السياسة ـ قد فاتهم هذا الواقع ، وفاتهم أيضًا أن
مخالفته بإقرار معاوية على الشام ، لن تكون فقط معدومة الأثر
ـ بل العكس ـ مع
معاوية ، وإنما ستقلب الثائرين وتدعوهم للثورة على الإمام ، ومن ثم تعلو حجة معاوية وتسقط حجة الإمام ..

     ولست مع الأستاذ العقاد فى اكتفائه بالقول بأن حجة الإمام كانت أرجح فى مسألة معاوية ـ من صواب مخالفيه ، فإذا فاتها هذا الترجيح ، فإن الصواب عند علىّ وعند ناصحيه سواء ..

     لست أرى هذا ولا أقره ، بل أرى شخصيًّا أنه لم يكن هناك بديل على الإطلاق لرأى ومسلك الإمام ، وأنه لو جارى هذا النصح ـ مع افتراض حسن النية والتسليم باعتبارات السياسة ـ كان كفيلاً بالقضاء ليس فقط على خلافة ومكانة الإمام ، بل كان يقوض وينسف الصورة التى عاش بها الإمام ولا يزال يعيش بها فى قلوب الملايين على توالى الأجيال .

      لم يكن هناك مناص من المبادرة بعزل معاوية ، وغير ذلك كان يعطيه الذريعة بل الحجة ، ويضعف حجة علىّ ، بل ويهدم صورة لا يجوز أن تُهدم فى الإسلام .     ( يتبع )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *