فى مدينة العـقاد ـــ عبقرية الإمام (17)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

الخوارج الثلاثة

وليلة 17 رمضان !

 

     اجتمع عبد الرحمن بن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمى ، وهم من غلاة الخوارج الموتورين ، فتذاكروا القتلى من فريقهم ، وتذاكروا القتلى من المسلمين عامة ، وألقوا وزر هذه الدماء كلها على ثلاثة من الكفار ـ أو أئمة الضلالة فى رأيهم ـ وهم : على بن أبى طالب ، ومعاوية بن أبى سفيان ، وعمرو بن العاص .

     فقال ابن ملجم : « أنا أكفيكم على بن أبى طالب » .

     وقال البرك : « أنا أكفيكم معاوية بن أبى سفيان » .

     وقال عمرو بن بكر : « أنا أكفيكم عمرو بن العاص » .

     وقد اجتمع هؤلاء الثلاثة على حافزين ؟

     ضغينة الثأر .

     وتهوس العقيدة .

     وكان للمتآمرين الثلاثة قسط وافٍ من هذين الحافزين ، يغنى عن مزيد من التحريض على القتل والانتقام ..

     ولكن المصادفة العجيبة هى التى شاءت أن تشحذ عزيمة ابن ملجم بحافز ثالث لعله يمضى حين ينبو هذان الحافزان الماضيان ، وهو حافز من الغرام الظامئ لا يرويه إلا دم ذلك الشهيد الكريم .

     أورد الأستاذ العقاد عن ابن ملجم ، أنه كان يحب فتاة من تيم الرباب ، قتل أبوها وأخوها وبعض أقربائها فى معركة الخوارج ، وكانت توصف بالجمال الفائق والشكيمة القوية ، وتدين بمذهب قومها فوق ما فى جوانحها من لوعة الحزن على ذويها ، فلما خطبها ابن ملجم لم ترض به زوجًا إلا أن يشفى لوعتها . قال : « ما يشفيك ؟ »  قـالت : « ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة ، وقتل علىّ بن أبى طالب » .

     قال : « أما قتل علىّ فلا أراك ذكرته لى وأنت تريديننى .. »

     قالت : « بل التمس غرته .. فإذا أصبت شفيت نفسك ونفسى ويهنأك العيش معى ، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وزينتها وزينة أهلها » .

     وخرج الخوارج الثلاثة متواعدين إلى ليلة واحدة ، يقتل كل منهم صاحبه فى ذلك الموعد .

*            *            *

     وتفعل المقادير فعلتها ، فينجو عمرو لأنه اشتكى مرضًا فى بطنه فى تلك الليلة ، فلم يخرج لصلاة الفجر ، وأمر « خارجة بن حذافة » قائد شرطته بأن يصلى بالناس ، فضربه عمرو بن بكر وهو يظن أنه عمرو ، فقتله . وقال عمرو : أردتنى وأراد الله خارجة ، وأمر بقتله .

     أما معاوية فقد ضربه البرك بن عبد الله ، وقد خرج الغداة للصلاة ، ولكن الضربة جاءت فى إليته فنجا ، وتداوى من الطعنة المسمومة ، وأمر بالرجل فقتله لتـوه .

     وأما على ، فضربه بن ملجم فى جبينه بسيف مسموم ، وهو خارج للصلاة ، فمات بعد أيام وهو يحذر أولياء دمه من المثلة ويقول لهم : « يا بنى عبد المطلب .. لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون قتل أمير المؤمنين ، قتل أمير المؤمنين .. ألا لا يقتلن أحد إلا قاتلى .. » .

     « انظر يا حسن إن أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة .. ولا تمثل بالرجل فإنى سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول : إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور » .

*            *            *

     ومهما قيل عن المصادفات وأسبابها ، فإنها لا علة لها تقبل التعليل ، بيد أن هذه الخاتمة الفاجعة تصور لنا البيعة كلها من قبل ابتدائها إلى ما بعد انتهائها ، فيما وصفه الأستاذ العقاد بعبارات أوثر أن أنقلها إلى القارئ بنصها . قال :

   « وذلك هو النسيج الإنسانى النابض الذى يتخلل حياة علىٍّ فى لحمتها وسداها ، وفى تفصيل أجزائها وجملة فحواها ، فما من حادثة من حوادث هذه الحياة النبيلة إلا وهى معرض حافل للعواطف الإنسانية برمتها ، تلتقى فيه عوامل النخوة والشجاعة والوفاء والإيمان والسماحة ، وتشتبك فيه مطامع الناس وأشواقهم وظواهرهم وخفاياهم .. وذلك الاشتباك الذى يخلقه الشعراء خلقًا فى القصص والملاحم ، فلا يحكمونه بعض إحكام الواقع الملموس فى سيرة الإمام . وقد أسلفنا فى صدر هذا الكتاب أنها سيرة تلامس النفس الإنسانية فى شتى نواحيها : تلامسها من ناحية العقيدة كما تلامسها من ناحية العاطفة ، ومن ناحية الفكر كناحية الخيال ، ومن ناحية التمرد كناحية الولاء . فإذا اتبعت السيرة بالخاتمة ، فأى خيط من خيوط تلك الشبكة الإنسانية التى تنسجها القرائح لاقتناص الشعور وتقريب الخيال تفقده فى هذه الخاتمة الفاجعة ؟ أى باعث من بواعث القصص الدامية بأحاسيسها ولواعجها لا يرتعد هنا ارتعادًا فى كل فصل من فصولها ومشهد من مشاهدها؟ يأس الكريم المغلوب وجرأة المحتال الغالب . وغرام المتهوس المجنون ، وأريحية القتيل الموصى بمن اعتدى عليه ، وحقد المرأة وخداع الجمال ، وزيغ العقيدة ، واستواء الإيمان، وفنون لا تحصى تجتمع من الشعور الموار واللهفة الدائمة فى خاتمة حياة تسع ألف حياة .»

 

*            *            *

 

     « وهذه مزية علىٍّ بين خلفاء الإسلام قاطبة .. ينفرد بها لأنه انفرد بمثال من النفوس ومثال من العوارض الفردية والاجتماعية تؤلفه المصادفات فى الأجيال الطوال ، ولا تحسن أن تؤلفه بمشيئتها فى كل جيل .

    تلك حياة حى ..

   وذلك مصرع شهيد . »

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *