رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

    واقترنت بشجاعة الإمام ـ صفة متممه لها وهى « صفة الثقة » أو« الاعتزاز » ، والاعتزاز الذى يشير إليه الأستاذ العقاد ، أو هذه الثقة ، جزء من شجاعة الفارس المقاتل لا يستغنى عنه ولا يزال متصلاً بعمله فى مواجهة خصومه ، وهذه الصفة لازمة لفرسان الميدان ، لاسيما فى العصور الأولى التى كانت المنازلة فيها وجهًا لوجه .

     وقد كانت هذه الصفة من صفات علىّ رضى الله عنه ، يفهمها من يفهم أو من يريد أن يفهم ، وليست هى « الزهو » الذى يصفه به من ينفسونه أو ينكرون عليه .

    وقد ظن به قيس بن سعد يوم عزله من ولاية مصر ، فقال : إنك والله ما علمت تنظر الخيلاء . وظن به هذا الظن « الزبير بن العوام » ابن عمته صفية ، إذ رأى رسول الله عليًّا فضحك له وضحك علىٌّ يحييه ، فقال ابن الزبير : لا يدع ابن أبى طالب زهوه . فقال له رسول الله : إنه ليس به زهو ، ولتقاتلنه وأنت له ظالم .

    وكانت هذه العبارة هى ما ذَكَّرهُ بها علىٌّ يوم الجمل حين دعاه للخروج إليه بين الصفين ، فاعتذر الزبير إلى علىّ قائلاً : والله لو ذكرتها ما خرجت ، ثم إنه ترك مقاتلة علىّ ، وغادر المكان رغم إلحاح ابنه عبد الله ألا يفعل .

     فلم يكن ما بعلىّ ـ كرم الله وجهه ـ الزهو المكروه ، وإنما الشجاعة التى يمتلئ بها الشجاع ، والثقة التى لا تفارقه منذ حبا ودرج . وقد تجلى ذلك فيه وهو فى العاشرة
أو نحوها ، يوم أحاط القرشيون بالنبى عليه السلام ينكرونه وينذرونه ، وهو يقلب عينيه فيمن حوله سائلا عن النصير ولا نصير ، وإذا بعلىّ الذى حضر المشهد كله ينبرى فى صيحة الواثق الغضوب قائلاً : أنا نصيرك .

    وضحك القريشيون يومها ضحك الجهل والاستكبار ، وعلم الله وحده أن تأييد ذلك الغلام أعظم وأقوم من حرب هؤلاء الطواغيت .

    كان علىّ رضى الله عنه ، هو الذى نام فى فراش النبى ليلة الهجرة ، ليخدع المشركين عن خروجه عليه الصلاة والسلام ، وعن وجهته . أقدم علىٌّ على ذلك وهو يعلم أن قريشًا تأتمر على قتل الراقد فى هذا الفراش .

    وعلىٌّ هذا هو الذى تصدى لعمرو بن وُد الفارس الذى يهابه أعتى الرجال , وأبرع الفرسان ، وقد تمكنت هذه الثقة فى الإمام لطول مراس الفروسية . وقد زادها تمكينًا لجاجة المنكرين وحسد الحاسدين . وهذه الشجاعة والثقة هى التى حملها علىّ من ميدان النزال إلى ميدان العلم ، حتى إنه كان يدعو الناس إلى سؤاله ، ويقول : « اسألونى قبل أن تفقدونى ، فو الذى نفسى بيده لا تسألونى فى شىء فيما بينكم وبين الساعة ، ولا عن فئة تهدى مائة وتضل مائة ـ إلاَّ أنبأتكم بناعقها وقائدها ، ومناخ ركابها ومحط رجالها » .

    ومن شواهد هذه الشجاعة الواثقة ، قوله للخارجين عليه الذين يرجمونه بالمروق :
« ما أعرف أحدًا من هذه الأمة عَبَدَ الله بعد نبينا غيرى ، عبدتُ الله قبل أن يعبده أحدٌ من هذه الأمة تسع سنين  »0

     وزاده ما لقيه ـ اعتصامًا بهذه الثقة ، فقال لطلحة والزبير فى عتابهما له عن تركه مشورتهما : « نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته . وما استنَّ النبى عليه الصلاة والسلام فاقتديته . فلم أحتج فى ذلك إلى رأيكما ولا أدرى غيركما ، ولا وقع حكم جهلته فأستشيركما وإخوانى المسلمين ، ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا غيركما ..» .

      وأبدى هذه الخليقة منه أنه كان رضى الله عنه لا يتكلف ولا يحتال على أن يتألف ، بل كان يقول : « شر الإخوان من تكلف له » ويقول : « إذا احتشم المؤمن أخاه فقد فارقه » ، فكان الذين ينتظرون منه الاصطناع والإرضاء يخطئون ما انتظروه ، ولا سيما إذا هم انتظروه من أرزاق رعاياه وحقوقهم التى اؤتمن إليها . فيحسبون أنها الجفوة البينة وأنه الزهو المقصود وما هو بهذا ولا بتلك .. إنما هى شجاعة الفارس بلوازمها التى لا تنفصل منها . 

     وملاك الأمر فى أخلاق علىّ ـ عليه الرضوان ـ أنه كان لا يتكلف إظهار شىء ، ولا إخفاء شىء ، ولا يقبل التكلف حتى من مادحيه . وقد قال يومًا لمن أفرط فى الثناء عليه : « أنا دون ما تقول وفوق ما فى نفسك » .

*         *         *

    وكانت قلة التكلف هذه توافق منه خليقته الكبرى ، من الشجاعة والبأس والامتلاء بالثقة والمنعة .

     وكانت قلة التكلف هذه توافق منه خليقة أخرى كالشجاعة فى قوتها ورسوخها ..
أو هى قريبة للشجاعة فى نفس الفارس النبيل وقلما تفارقها ، ويعنى بها الأستاذ العقاد خليقة الصدق الصراح الذى يجترئ به الرجل على الضر والبلاء كما يجترئ به على المنفعة والنعماء . حتى قال فيه أقرب الناس إليه : إنه رجل يعرف من الحرب شجاعتها ولكنه لا يعرف خدعتها . وكان أبدًا عند قوله : « علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك ، على الكذب حيث ينفعك ، وإلاَّ يكون فى حديثك فضل على علمك ، وأن تتقى الله فى حديث غيرك  » . وصدق فى تقواه وإيمانه كما صدق فى عمل يمينه ومقالة لسانه ، فلم يُعرف أحد من الخلفاء أزهد منه فى لذة دنيا ، وكان وهو أمير للمؤمنين يأكل الشعير وتطحنه امرأته بيديها ، وكان يختم على الجراب الذى فيه دقيق الشعير فيقول : « لا أحب أن يدخل بطنى ما لا أعلم » .

     والحق الذى لا مراء فيه أنه كان على نصيب من الفطنة النافذة لا ينكره منصف ، وأنه أشار على عمر وعثمان أحسن المشورة فى مشكلات الحكم والقضاء ، وأنه كان أشبه الخلفاء بالباحثين والمنقبين أصحاب الحكمة ومذاهب التفكير وعنه أخذ الحكماء الذين شرعوا علم الكلام قبل أن يتطرق إليه علم فارس أو علم يونان .. وكان يفهم أخلاق الناس فهم العالم المراقب لخفايا الصدور ويشرحها فى عظاته وخطبه شرح الأديب اللبيب .

    ويختم الأستاذ العقاد هذا الفصل بقوله إن هذه الصفات تنتظم فى نسق موصول : رجل شجاع لأنه قوى ، وصادق لأنه شجاع ، وزاهد مستقيم لأنه صادق ، ومثار للخلاف لأن الصدق لا يدور بصاحبه من الرضا والسخط والقبول والنفور ، وأصدق الشهادات لهذا الرجل الصادق أن الناس قد أثبتوا له فى حياته أجمل صفاته المثلى ، فلم يختلفوا على شىء منها إلا الذى اصطدم بالمطامع وتفرقت حوله الشبهات ، وما من رجل تتعسف المطامع أسباب الطعن فيه ثم تنفذ منه إلى صميم .           

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *