رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

مفتاح شخصيته

      مفتاح الشخصية الذى يعنيه الأستاذ العقاد , هو الأداة التى تفتح لنا أبوابها . ولكل شخصية إنسانية مفتاح صادق يسهل أو يصعب الوصول إليه تبعًا لاختلاف الشخصيات , وقدرة وبصيرة الباحث .

    ولكن الأستاذ العقاد يرى أن الوصول إلى مفتاح الشخصية العمرية قريب واضح لمن يتغياه ويبحث عنه , فإذا كان « الإيمان » هو الضابط الذى يسيطر على أخلاقه وأفكاره , فإن مفتاح الشخصية هو « السمة » التى تميزه بين العظماء , حتى فى الإيمان وسيطرته على الأخلاق والأفكار والدوافع والسورات .

    وهو يرى أن « طبيعة الجندى » , فى صفتها المثلى , هى أصدق مفتاح للشخصية العمرية .

    وهذه الطبيعة تراها متجلية فى خصائصه جميعًا , فهو الشجاع , الحازم , الصريح , الخشن , المطيع , الغيور على الشرف , السريع النجدة , المحب للنظام , المؤمن بالواجب والحق , الموكل بالإنجاز , العارف بالتبعات والمسئوليات .

    ومن اللافت أن توافر هذه الخصائص فى تفريعاتها الثانوية وأشكالها العارضة ـ أبلغ وأدل على عمق تأصل هذه الخصائص الجليلة في الفاروق .

    فإذا كان النظام ـ مثلاً ـ من توابع الجندية , فإنه كان خلقًا أصيلاً فى طبيعة عمر , ونرى ذلك ينضح فى مواقف متنوعة لا ينى الأستاذ العقاد عن التمثل بها وضرب أمثلة لها .. فى الصلاة , وفى المسجد , وفى الأسواق والطرقات والدكاكين ..

    وإذا كان الجندى يحسن ما تدرب عليه , فإن عمر كان يحب بالفطرة ما يَحْسُن بالجندى فى بدنه وطعامه , ويكره ما ليس يستحسن فيه . فيقول مثلاً : « إياكم والسمنة فإنها عقلة » , ويقول « إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة , ومفسدة للجسم , ومؤدية إلى السقم , وعليكم بالقصد فى قوتكم فهو أبعد عن السرف وأصح للبدن وأقوى على العبادة » . وكان يأمر بتعلم الرماية والسباحة والفروسية والمصارعة وكل رياضة يتدرب عليها الجندى لتهذب بدنه وأخلاقه .

    فإذا ارتقينا إلى النظام الأعم والأشمل , رأينا عمر الذى دون الدواوين وأحصى كل نفس فى الدولة كأدق ما يحصيه الموكلون بالتجنيد فى العالم الحديث , وما كان من رجل أو امرأة أو طفل إلاَّ عرف اسمه وعرف مكانه وعرف حصته من بيت مال المسلمين .

*              *           *

    وكانت له طريقة الجند فى التصريف السريع الذى ينفذ إلى الغرض من أقرب طريق .

    وكان له من القضاء ما يذكّر بالقضاء العسكرى الذى يمنع الضرر من أقرب الطرق ويحمى الأكثرين بالحد من حقوق الأقلّين !

    وربما جار على حق , كما جار على « نصر بن حجاج » الذى أرسله إلى البصرة , حين لم يجد ما يخفى جماله وتأثيره , فجار عليه فى سبيل مصلحة أكبر لمنع الغواية وأسبابها .

    فإذا لم يكن حكمه على « نصر بن حجاج » حكمًا لازمًا لا محيص عنه أو لا مأخذ عليه , فإن المحقق أنه حكم اصطبغ بالصبغة المستمدة من « مفتاح الشخصية » وهو « الطبيعة الجندية » .

    وإنْ بقى عندى ـ شخصيًّا ـ أن ما أراد عمر أن يتجنبه فى المدينة , متاح فى البصرة , فلم يكن هذا الجور ـ فى نظرى ـ بالذى يحل بذاته أصل المشكلة , أو يمنع بذاته الغواية , وربما كان شفيع الفاروق أنه أراد أن يبعد خطرًا رآه مطلاًّ أمامه بالمدينة عاصمة الدولة .

    كان عمر جنديا مطبوعًا , وجنديًّا من جنود الله فى معترك الحق والإيمان .

    وبهذه الجندية المطبوعة راجع النبى عليه السلام فى مسائل شتى , فأخذ برأيه عليه السلام فى بعضها وخالفه فى بعضها , فلم تكن طاعته فيما رفضه النبى منه ـ بأقل من طاعته فيما أقره عليه .

    وكذلك راجع الخليفة أبا بكر فى كبريات المسائل وصغارها , ثم يطيع ما أمر به الخليفة مهما كان على خلاف رأيه .

    ويكثر الأستاذ العقاد فى إيراد الأمثلة الدالة على هذه « الطبيعة الجندية » فى عمر , حتى إنه تمثل بقالة لا أرى صواب التمثل بها , فضلاً عن شكى فى الرواية أصلاً , وهى رواية تقول إن النبى عليه السلام حين اشتد مرضه قال : إئتونى بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده .. فقال عمر لمن حوله : إن النبى صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ..

    ولا أرى إلاَّ أن هذه الرواية من انتحال الرواة , فضلاً عن أنه ما كان لعمر مهما كانت حجته أو ذريعته ـ أن يمنع شيئَا طلبه أو أمر به رسول الله .

    ويذكر الأستاذ العقاد قصة الحوار الذى دار على البعد ردًّا على « أبى سفيان » حين جعل يتفاخر فى أعقاب « أُحد » , وأطمعه أنه حين نادى على النبى وعلى أبى بكر وعلى عمر ـ ولم يجبه أحد , وكان النبى عليه السلام هو الذى ألزمهم بالسكوت عن الإجابة , فظن أبو سفيان أنه قد قضى عليهم , فقال لقومه : أما هؤلاء فقد كفيتموهم ! أى قتلوا .

    فلم يطق عمر صبرًا , فصاح فى أبى سفيان ـ مخالفًا ما أُمِرَ به : « كذبت يا عدو الله . ها هو ذا رسول الله , وأبو بكر , وأنا أحياء ! ولك منا يوم سواه » .

    وعلى هذه المخالفة يعلق الأستاذ العقاد  , بأنها من مخالفات الجند , التى تورى بأن غيرة الطبيعة الجندية هى التى دفعته إلى المخالفة لتكذيب ما تمناه أو اعتقده أبو سفيان !

    وبعد استفاضةٍ فى ضرب الأمثلة , قريبة المغزى أو بعيدته  , ينتهى الأستاذ العقاد إلى أن « طبيعة الجندى » كانت تامة متكاملة بأصولها وفروعها فى الفاروق .

    وذلك ـ فيما يقول ـ هو الجندى فى حالته المثلى .

    وذلك هو المفتاح الصادق الدال على خلائق هذا الجندى العادل الكريم .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *