رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

عن أثر أوروبا الحديثة

فى النهضة العربية

الحكومة البرلمانية

      لا شك أن الحكومة البرلمانية , كانت من آثار الاحتكاك بالحضارة الغربية , بيد أن الأستاذ العقاد يحرص على بيان أن الفكرة موفورة الأساس فى الحضارة الإسلامية , فقد حرم القرآن الحكيم الحكم المطلق , وأنكر سلطان الجبابرة , وحض على الشورى فقال للنبى عليه السلام : « وشاورهم فى الأمر » وقال فى المسلمين : « وأمرهم شورى بينهم » , وقرر المساواة فى العدل بين الجميع وأيًا ما تفاوتت الدرجات .

     والمسلم يحس من قراءة القرآن إحساسًا « شوريا » , ويتعلم فريضة الشورى بالإيحاء وبالتلقين , فضلاً عما أمر به القرآن من وجوب المشاورة .

    ولم يكن الاستخلاف فى الأرض بالإخضاع بل بالإقناع , ولم يَصِرْ الخليفة الموعود أهلاً لهذه الأمانة إلاَّ بالعلم الذى يعلمه ويبز فيه سواه .

    وعلى ذلك فالأمر « بالحكم الدستورى » قديم فى الحياة العربية فيما يتغيا الأستاذ العقاد إيضاحه ,  وهو من ثم أصيل فى الدولة الإسلامية حتى وإن هجرته الدول فى عهود التحلل والهبوط , ولم ينقطع الأمل فى تعاقب الأجيال أن تكون الشورى « نظامًا » يأتمر به الحاكمون والمحكومون .

    وحين بلغت هذه الأطوار تمامها , كانت الحومة الشورية أو الحكومة الدستورية نظامًا أوروبيًا يتلقاه الشرقيون عن الأوروبيين , وأصوله لديهم , ولا يتلقونه غريبًا يحتاج إلى إقناع ولا عقيدة جديدة تحتاج إلى تبشير .

*           *          *

     نعم , عرفت القارة الأوروبية النظام البرلمانى على صورة من صوره الأولى قبل الميلاد بعدة قرون , فنشأ مجلس الشيوخ فى روما ونشأت المجالس التى تماثله فى أثينا واسبرطة وبعض الأقاليم الإغريقية . ونشأت بعدها مجالس أخرى أدنى إلى نظام المجالس التمثيلية وأقرب إلى الحكم الديمقراطى الذى تشترك فيه جميع الطبقات .

  ولكنه كان هنا فى الشرق الإسلامى , نظامًا من النظم الخاصة مرجعيته تتمثل فيما سلف . فالحضارة العربية الإسلامية سبقت والأمر كذلك إلى مبدأ الحكومة الشورية فى مجال العقيدة والأخلاق , والغرب قد سبق الحضارة العربية بحكومة الشورى فى مجال النظم والسياسة التى تتمخض عنها حوادث التاريخ .

     وهذا هو الذى يفسر سهولة انتقال الحكم الدستورى كما عرفه الغرب إلى الشرقين الأدنى والأوسط , فلولا أنه كان له أساس قائم فى عقائد الناس واعتراف من الحاكمين والمحكومين بمبادئه وأصوله , لما انتقل بهذه السهولة إلى الأمم الشرقية .

    ويتفق الحاكم المطلق فى الشرق أو فى الغرب ـ على اباء أن يشاركه أحد فى أمره , وفى أنه لا يذعن لحكم الشورى بمطلق اختياره , بل ولا يقبله إلاَّ مكرهًا أو على مضض . ولكن الفرق كبير وعظيم بين حاكم يستطيع أن ينكر أساس الحكومة النيابية , وبين حاكم لا يستطيع إنكاره لأن مصدره دينى إلهى يمثل إنكاره خروجًا على أحكام الدين وعصيانًا لرب العالمين .

    ولذلك كانت معارضة السلاطين والأمراء الشرقيين ـ فيما لاحظ الأستاذ العقاد ـ للحكومة الدستورية ـ معارضة تقوم على أعذار وقتية ولا تنهض على أسس وأصول .

     فكان سلطان الدولة العثمانية مثلاً ـ يسلّم بواجب الشورى ويسمى الرتبة الكبرى عنده رتبة « المشير » , ويخشى أن يصارح رعيته بأنه يتولى شئونها على سنة الاستبداد , ويختلق معاذير أو ذرائع وقتية لعدم تعميم الحكم النيابى تمحكًا فى وجود رعايا مخالفين فى الجنس والدين واللغة , ويمالئون الدول الأوروبية ولا يخلصون من ثم فى خدمة الدولة العثمانية , ويشكلون خطرًا عليها إذا تسنموا مناصبها العليا وصارت لهم كلمة فى إدارة سياستها .

     وكانت المناظرة بين روسيا وبريطانيا العظمى فى البلاد الإيرانية تحول فيما يستشهد الأستاذ العقاد ـ دون استقرار الأمر وانتظام  السعى فى توطيد الحكومة النيابية , لأنهما كانتا تبلغان ـ أى روسيا وبريطانيا ـ من بطانة الحكم المطلق ما لا تبلغانه فى حكومة نيابية تخضع لرقابة الشعب وتكشف له عن تصرفاتها .

    وقد نزل المحتلون الإنجليز بمصر ـ فيما يقول ـ فى أواخر القرن التاسع عشر , وفى مصر حكومة نيابية تطورت بعد تجارب متوالية من عهد محمد على الكبير , فكان أن عَطَّلَها الإنجليز لأنهم لا يستطيعون الإشراف على الإدارة المصرية مع إشراف المجلس النيابى عليها . فلما اقترن طلب الدستور بطلب الاستقلال ـ أصبحت الحكومة النيابية مرادفة للحكومة الوطنية فى برامج الأحزاب المصرية , وأصبح الحكم الأجنبى هو الحائل دون قيام الحكم النيابى الذى ينشده أحرار المصريين .

    وعلى ذلك فإنه إذا كانت الحياة النيابية طبقًا للأوضاع الحديثة ـ ثمرة أوروبية انتقلت إلى الشرق من حضارة الغرب , إلاَّ أنها جاءت إلى أرض ليست غريبة عنها , ففرضت طابعها على ما تلقته , وكان الفضل فى تهيؤ الشرق لقبول الثمرة الأوروبية راجع إلى عقيدة الحرية والشورى التى بثتها حضارة العرب بعد الظهور الإسلام .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *