رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

الاجتهاد فى الدين

     يبدى الأستاذ العقاد أن الفهم واجب على المسلم فى الأخذ من جميع المصادر والعمـل بها ، وهو بداهة يعنى المصادر التى ذكرها : الكتاب ، والسُّنة ، والإجماع . ويقفـى بأنـه لا تعارض بين النص والاجتهاد فى وجوب الفهم فى كلٍّ من هذه المصـادر . لأن المسلم بعد ما تلقاه من أوامر إلهية توجب عليه التفكير والتدبر والاحتكام إلى العقـل والبصيـرة ـ لا يتبع النص بغير فهم ولا تفرقة بين مواضع الإتباع وأسبابه .

     ومن يقول إن العمل بالنص يعنى العمل بغير فهم ـ ليس هو من الإسلام فى شىء !

    فالتفكير فى أمور الدين أصل من الأصول المقررة ، أما التقليد فهو حالة من حالات الضرورة التى تعفى من الاجتهاد بالفهم من يعجز عنه ولا يستطيعه .

    فلا إيجاب للتقليد ، ولا تحريم للاجتهاد بالفكر .

    وشرُّ الناس  من يحرم على خلق الله أن يفكروا ويتدبروا بعد أن أمرهم الله بالتفكير والتدبر ، وأنبأهم بعاقبة من لا يفكرون ولا يتدبرون .

     على أن التفكير فى الإسلام ليس عوضًا أو بديلاً عن النص أو ما يشبه النص فى الأحكام ، بل هو فريضة منصوص عليها ومطلوبة لذاتها ولما يتوقف عليها من فهم الفرائض الأخرى .

     وقد وقع الاجتهاد فى الإسلام نصًّا وعرفًا وتقليدًا إن صح هذا التعبير ، ويعنى الأستاذ بالتقليد هنا حسن القدوة بالأولين والتابعين من السلف الصالح ، وأول الأولين بداهة هو نبى الإسلام عليه الصلاة والسلام ثم الخلفاء الراشدون ومن تبعهم فى العصور التى اشتدت فيها حاجة المسلمين إلى الاجتهاد ، وقد آثر الأستاذ العقاد هذا التعبير عـلى « فتوى الصحابى » إيثارًا أظن أنه مقصود لفتح المجال للعقل للاجتهاد الأوسع الذى يجد غايته فيما أبداه النبى عليه الصلاة والسلام وفيما يقع عليه الباحث من اجتهادات الخلفاء الراشدين والتابعين ، وقد أشفع الأستاذ العقاد هذا ببيان بعض هذه الاجتهادات التى تلقاها الصحابة عن النبى عليه الصلاة والسلام .

      أما الخلفاء الراشدون ، فيقفى الأستاذ العقاد بأنهم اجتهدوا منذ عهد الصديق الخليفة الأول فى المصالح المرسلة التى لم يرد فيها نص ولم تسبق لها سابقة فى حياة النبى عليه السلام . وضرب أمثلة لهذه الاجتهادات بالمصالح المرسلة :

  • كتابة المصحف ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير .
  • ولاية العهد من أبى بكر لعمر رضى الله عنهما ، لم يتقدم فيها أمر ولا نظير.
  • ترك الخلافة شورى .
  • وتدوين الدواوين .
  • وعمل السكة للمسلمين .
  • واتخاذ السجن .
  • هدم الأوقاف التى بإزاء المسجد النبوى وتوسعته ، وقد اجتهد فى ذلك عمر رضى الله عنه .
  • تجديد الأذان فى الجمعة بالسوق ، وقد اجتهد فى ذلك عثمان رضى الله عنه .
  • واجتهد أبو بكر وعمر معًا فيما ورد فيه النص لزوال العلة الموجبة ، بالنسبة لسهم الزكاة للمؤلفة قلوبهم .

     ويعقب الأستاذ العقاد تعقيبًا فى محله ، أن من سوء الفهم اعتبار أن هذا مخالفة للنص ، وإنما الصحيح أنه اجتهاد فى فهم النص فى إطار البحث فى المؤلفة قلوبهم ، حيث لم يعد لها محل ولا مصلحة فى الإسلام ، تقرر لهؤلاء استحقاقًا فى أموال الزكاة .

     ومن هذا الاجتهاد ، فيما أورد ، إسقاط حد السرقة فى عـام المجاعـة ، والواقـع أنه اجتهاد يستند إلى أن القرآن والسُّنة قد جعلا من حالـة الضـرورة سببًا عامـا للإباحـة أو مانعًا للعقاب ، فجاء فى القرآن الحكيم : « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » ( البقرة 173 ) ، وجاء فيه أيضًا « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » ( النحل 115 والأنعام 145 ) ، وجاء فى الحديث الشريف : « الضرورات تبيح المحظورات » . ( للتفصيل كتابنا عالمية الإسلام ـ دوحة العدالة فى الإسلام ص 181 ـ 201 ) .

*        *       *

       ومن الخطأ بل من الفهم المعكوس ، أن يقال إن الاجتهاد كان لازمًا فى عصر الدعوة وتوالى نزول القرآن وتوارد السُّنة وحضور صاحب الدعوة وإجاباته على ما يسْأل فيه ، وأن الاجتهاد لم يعد له لزوم بل صار محرمًا بعد ذلك العهد . والدليل على لزوم الاجتهاد فى كل وقت ـ ما استنه النبى عليه الصلاة والسلام نفسه ، وتابعه فيه الراشدون من خلفائه وأصحابه  .

     ولم يغلب التقليد إلاَّ فى أدوار التأخير وخراب الذمم والضمائر ، وقلة أو نـدرة الصالحين .

    ويقفى الأستاذ العقاد بكلمة فى أبواب ثلاثة من أبواب الاجتهاد .

    القياس ، وهو قياس ما لا نص فيه على ما ورد من النصوص ، للمشابهة واتحاد العلة.  

    والاستحسان ، وهو المفاضلة بين حكمين مستندين إلى النصوص استحسانًا لأن الراجح منهما أوفى بالقصد وأقرب إلى السبب المشروط فى إجرائة .

   والمصالح المرسلة ، وهى المصالح التى لا تتقيد بنص ولم يسبق لها نظير ، ولكن تتحقق بها مصلحة الأمة فى حالة من الحالات .

   وقد ذكرت فى مقدمة هذا الفصل ، باقى سبل الاجتهاد ووسائل الاستنباط ، وهى تتساند جميعها فى إطار المقاصد التى يتغيّا الأستاذ العقاد الإشارة إليها والتنويه بها  .

   وبرغم حرص الأستاذ العقاد على تقديم العقل وفريضة التفكير ، فإنه وقف وقفة متحفظة إزاء مذهب « الظاهرية » الذى نشأ لمقاومة الباطنية وإنكار الحاجة إلى إمام مستتر ، وكانت بدايته فى بغداد على يد داود بن سليمان الظاهرى ( 201 /270 هـ ) ، وبلغ غاية شيوعه ومداه فى المغرب على يد ابن حزم الظاهرى (384/456 هـ ) ، وتوسع فى تحكيم العقل غير متحرج منه إلاَّ ان يختص به أحد دون جمهرة المسلمين . فقال الأستاذ العقاد إن ابن حزم إذ أباح الاجتهاد والرجوع إلى العقل للعالم وللجاهل ، فإنه يخشى من نتائج هذا المذهب أنه يصد فريقًا من العلماء القادرين على الاجتهاد النافع ـ عن الاضطلاع بأمانة القيادة الفكرية .

      وقد كان هذا المذهب الظاهرى من أهم المذاهب التى ابتعثتها دواعى السياسة فى المغرب ، وشاع حينًا ثم ضعف وأخذ فى الزوال تدريجيا بزوال الباعث الحثيث عليه ، أما فى المشرق فقد أغنى عنه أن الخلفاء والأمراء كانوا يبنون المدارس ويجرون فيها الجراية على طائفة من علماء المذاهب الأربعة المعروفة ، لا يشترك فيها غيرهم ، وانتهى الأمر فى القرن السابع الهجرى بأمر الخليفة المستعصم إلى علماء الفقه فى المدرسة المستنصرية بأن يقصروا دروسهم على أقوال الأئمة من قبلهم .

     وقد كان هذا فى القرن السابع للهجرة وما بعده بقليل ، ثم رانت على العالم الإسلامى ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ غاشية الجمود والضعف ، فانقطع الناس عن العلم اجتهادًا وتقليدًا ، وتواكلوا فى كل شىء . وطالت هذه الفترة نحو أربعة قرون ، تتابعت فيها الضربات والقوارع ، إلى أن نبغ فى الأمة قادة وعلماء غيورون ، يجاهدون ويجتهدون ويعودون بالأمة إلى ما بدأ به الإسلام ، وتعلم المسلمون أن احتفاظهم بمكانهم بين الأمم رهين بمحافظتهم على فريضة التفكير .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *